دراسات مختارة

أخلاقية المسؤولية البيئية في الإسلام
أخلاقية المسؤولية البيئية في الإسلام

حسام الدين طريبق

دار الحديث الحسنية

  إن الله تعالى قد حبى الإنسان بنعم لا تُحصى، وأفاض عليه من الهبات ما لا يسعه الوقت ليُتلى، واستخلفه في الأرض وأرفق معه الهدى، وجعلها له مستقَرّا يتبوأ منها حيث يشاء.

وهدى الله تعالى الذي أرسله إلى بني آدم لم يقتصر في يوم ما على مجال دون آخر، فالله تعالى جعل الإنسان مستخلفا، وأرسل مع أنبيائه ما ينفع هذا الإنسان من القوانين العامة والشاملة التي تحقق الرسالة التنموية في الأرض والأخرويةَ بعد الرحيل عن الأرض. وهي قوانين تستهدف علاقته بربه وعلاقته بنظيره الإنسان، بل وتستهدف ما استُؤمن عليه من نعم البدن والصحة والطبيعة والبيئة عموما.

ومع ظهور ملامح منظومة الأخلاق الإسلامية من خلال عدة تآليف، نجد أن هذه المنظومة أُلبست العديد من التشريعات الإسلامية لباس الأخلاق،  فكان أغلب هذه التشريعات الأخلاقية مما ينظم علاقة الفرد المسلم بغيره من الناس فرادى وجماعات. فكان من تلك الأخلاق ما اختص بالفرد أو بالأسرة أو بالمجتمع أو بالدولة بشكل عام.

ولم يقف المنظرون للأخلاق الإسلامية عند هذا الحد، بل وضعوا لتلك الأخلاق مفاهيمها المحركة لها والمساعدة على تجليتها في أرض الواقع، وهي مفاهيم تتمثل في:

- الإلزام الأخلاقي

- المسؤولية الأخلاقية

- الجزاء الأخلاقي[1]

إذا كان النظام الأخلاقي للإسلام قد ركز على الروابط الإنسانية ابتداء، وجعل لنفسه ما يضمن استمراريته من الآليات والمفاهيم المجتمعة في النقط الثلاثة المذكورة، ألا يمكن إدراج احترام البيئة والمسؤولية عن سلامتها ضمن المنظومة الأخلاقية التي أسسها الدين الإسلامي؟ هذا ما أود بيانه في هذه الورقة مبرزا اندراج المسؤولية البيئية تحت الباب الكبير للأخلاق في الإسلام، نظرا لاشتغالها بالمصالح المشتركة للعباد، ولما تستمده من الثلاثي السابق الذي وضعه منظرو الأخلاق في الإسلام.

  •     أخلاقية المسؤولية البيئية  من جهة شمول بني الإنسان

 إن المسؤولية البيئية هي مما يتحقق فيه الارتباط بحقوق الغير من أفراد بني البشر، لذلك فهي مما يستحق أن يلبس لبوس الأخلاق ويتحلى به، خصوصا وأن هنالك من عرّف علم الأخلاق فقال: "هو علم يبحث في سلوك الإنسان الذي يعيش في جماعة تحيى في زمان معين ومكان محدد"[2]. لذلك فلا يمكن فصل المسؤولية البيئية عن المشترك المعاشي للنوع البشري الذي يستغل ما سُخر له من الخيرات على وجه الأرض.

وإذا صح إدراج مسؤولية حماية البيئة في مجال الأخلاق[3]، فإن الإسلام قد حدد معالم هذه المسؤولية ووضع لها شروطا ومحددات تجعلها تنصهر في منظومة الأخلاق وتنغرس في النفس البشرية بغية تنشئة إنسان متخلق يعرف ما له من حقوق الاستغلال البيئي، وما عليه من واجبات الحماية والرعاية للبيئة المسخرة. هذا يعني أن للمسؤولية البيئية ما للأخلاق الأخرى من إلزام ومسؤولية وجزاء أخلاقي. وهو ما سيتراءى من خلال بسط كل نقطة من تلك الثلاث على حدة.

  •     الإلزام الأخلاقي في الحفاظ على البيئة

تناقش الفلاسفة وعلماء الدين منذ القديم حول العنصر المسؤول عن تحديد الالتزامات البشرية وتمييز الحسن من السيئ والخير من الشر. وهي نقاشات كانت تروم في جلها "تحديد مصدر الإلزام" القادر على تحريك الإنسان وتفعيل قدراته في اتجاه هدف معين.

وقد أعطى أولئك الفلاسفة والعلماء لذلك العنصر الملزم تحديدات من قبيل "العقل" و"الضمير" و"الغريزة" و"الدين" و"المجتمع"، وهي كلها عناصر مشاركة في صنع الوعي البيئي للإنسان. لكن مقام الحديث الآن هو عن الدين الإسلامي الذي جعل الإنسان المسلم يذعن له باعتباره مصدر الهداية الإلهية، فلا أحد يعرف جوهر النفس وشريعة سعادتها وكمالها غير خالق وجودها ذاته: "ألا يعلم من من خلق وهو اللطيف الخبير"[4].

لذلك فالوحي المتمثل في القرآن والسنة النبوية قد جاء كمصدر حامل لتشريع ملزم، مصداقا لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"[5]، مع تفاوت درجة إلزام هذا التشريع لتتراوح بين الأحكام الخمسة التي حددها الأصوليون.

وقد جاء القرآن والسنة النبوية زاخرين بالتعاليم الظاهرة والخفية التي تحث على الحفاظ على البيئة وجوبا تارة وندبا تارة أخرى. والأمثلة على ذلك كثيرة أورد بعضها على سبيل التمثيل فقط:

- يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسا، إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزأه أحد إلا كان له صدقة"[6]. ومعنى هذا الحديث بَيِّن في الحث على الزراعة والغرس والتشجير لما في ذلك من الأجر والمنافع لكل كائن حي يدب على الأرض.

- يقول الله تعالى في محكم كتابه: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفا وطمعا"[7]، ويقول أيضا: "ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين"[8]، وفي آية أخرى: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"[9]. ففي هذه الآيات نهي واضح عن الإفساد في الأرض، ولا شك أن الإفساد في هذه الآيات لا يستثني الإفساد في البيئة الطبيعية التي استخلف الله الإنسان فيها، بدليل قوله تعالى على لسان نبيه صالح: "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا، فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين"[10].

ولا يسع المقام هنا لسرد كل ما جاء به الإسلام من تعاليم بخصوص هذا الشأن، لكن كل ما حمل معه من التعاليم البيئية يصب في إلزام الإنسان المسلم بما لم يعلمه ضروريا أو مؤثرا في البيئة من قبل.

  •    المسؤولية الأخلاقية في الحفاظ على البيئة

في مستهل هذه النقطة، لا بد من الانطلاق من مسَلَّمَة مفادها أن الإنسان مسؤول عما يحدث في بيئته الطبيعية من قريب أو بعيد، وهي بيئة استُخلف فيها رغم ما علمه الملائكة من ما قد يصدر عن الإنسان من انحرافات وزلات: "قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"[11]. وقد حمل الإنسان مسؤولية الخلافة في الأرض التي أبى غيره أن يحملها، حيث يقول الله تعالى: "إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"[12]. لكن هل تتحقق في المسؤولية البيئية الإنسانية شروطها ومقوماتها؟

المسؤولية قبل كل شيء استعداد فطري، إنها هذه المقدرة على أن يلزم المرء نفسه أولا، والقدرة على أن يفي بعد ذلك بالتزامه بوساطة جهوده الخاصة[13]. وهذا بالضبط ما ينطبق على المسؤولية البيئية لدى الإنسان، فهي مسبوقة بإلزام وإرشادـ تاركةً للتصرف الإنساني حق الاختيار في ما يراه نافعا أو ضارا لبيئيته، تحت قيادة "العقل" البشري الذي يتحمل في هذا الطور دور مساعدة الإنسان على اتخاذ القرار تجاه بيئته. لذل فإن المسؤولية البيئية مبنية على أمرين هما:

- عنصر العقل الذي يجعل الإنسان قادرا على تمييز ما في صالح بيئته وصالحه الشخصي أيضا مصداقا لقوله تعالى: "بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره". وهنا أشدد على مسألة العقل دون "الهوى" الذي يُخالف العقل تعريفا ووظيفة، فهوى الإنسان قد يسير به إلى ما لا يحمد عقباه على بيئته، لكن العقل يبقى عنصرا كابحا لما قد يمليه الهوى من شهوات أو رغبات في الاستغلال الجائر للبيئة.

- عنصر الاختيار الذي يتيح للإنسان انتقاء ما يراه صالحا له من قرارات بيئية، حيث يواجه الفاعل إمكانات متعددة، يستطيع أن يختار من بينها واحدة، سواء احترم القاعدة الملزمة أو لم يحترمها، وهذا ما قد توجد له جذور في مبحث الجبر والاختيار في علم العقيدة الذي فصل في هذه المسألة أكثر. لكن ما يهم في هذا المقام هو مركزية عنصري "العقل" و"الاختيار" في وضع حدود للمسؤولية الإنسانية في حماية البيئة التي سيُسأل عنها في يوم القيامة.

  •       الجزاء الأخلاقي في الحفاظ على البيئة 

إن كل تكليف ديني أو وضعي معقوب بجزاء يرجح كفة إلزام الإنسان بمقتضيات تلك التكاليف المرسومة مسبقا. وفي ظل النقاش الفلسفي حول تراوح طبيعة النفس البشرية بين الخير والشر، يأتي الجزاء ليقطع دابر أفعال البشر حتى يُحاسبوا بمعيار موحد ينظر إلى أفعالهم دون أصل نواياهم الخيرة أو الشريرة.

لذلك فإن التعاليم البيئية للإسلام هي من قبيل ما يجازى عليه ارتباطا بالفعل أو الترك، فكل ما استُخلف فيه الإنسان من النعم البيئية مسؤول عنه حماية وحفظا واستغلالا، ولا أدل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أَكَلَ رُطَبًا وَشَرِبَ مَاءً، وَقَالَ: "هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ"[14].

لذلك فإن السؤال عن نعمة البيئة قائم لا محالة، وسيجازى كل إنسان على قدر امتثاله لتكاليف الشرع من عبادات ومعاملات وأخلاق مجتمعية أو بيئية. والجزاء هنا منه ما هو دنيوي ومنه ما هو أخروي.
     أما الدنيوي فيدل عليه قول الله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة"[15]، وقوله أيضا: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"[16]. ثم يأتي على الإنسان يوم القيامة جزاؤه الأخروي على ما قدم من عمل في الدنيا، حيث يقول الحق سبحانه: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى"[17]، وقوله أيضا: "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى"[18].

كل هذا للخلوص إلى القول إنه كما يترتب جزاء على الامتثال أو الإخلال بتكاليف الشرع المعهودة عند المسلمين، فإن نفس الشيء يترتب على تطبيق أوامر الشرع في ما كان من صميم الحفاظ على البيئة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من منظومة الفقه الإسلامي الذي تناول بأبوابه جل مناحي الحياة.

وختاما أقول: إن الإنسان في العديد من المجتمعات لا يزال يرى في القوانين الوضعية التي تحميه من العديد من المساوئ - في الواقع - ضغطا عليه يكبر حمله مع توالي وتجدد تلك القوانين التي تفرعت إلى ما يصعب حصره من القوانين الجزئية، بما في ذلك القوانين الحامية للبيئة وللإنسان في نفس الآن. ولكن الهدف من هذه الورقة هو الانتقال بالمسؤولية البيئية من طور إلزام القوانين الوضعية إلى ميدان الاقتناع الديني والأخلاقي. فالإجلال الذي يحظى به الإسلام لدى المسلمين كفيل بجعل المسؤولية البيئية - التي حدد معالمها - جزءا من حياة الإنسان المسلم دون أن يحس بإكراه أو إرهاب نفسي من العقوبات الزجرية الوضعية. ولا يرتقي الإنسان إلا إذا ارتقى من داخل نفسه وقناعاته، كما يقول الحق عز وجل: "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

 

قائمة المصادر والمراجع

- محمد عبد الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998)

- محمد بهائي سليم، القرآن الكريم والسلوك الإنساني (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987)

-  حامد الطاهر، الفكر الأخلاقي عند فخر الدين الرازي (جامعة القاهرة/ كلية دار العلوم، 2001)

-  محمد عبد القادر حاتم، الأخلاق في الإسلام (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988)

-  عبد الفتاح جادو عبد الفتاح، الفكر الأخلاقي عند فخر الدين الرازي (جامعة القاهرة/ كلية دار العلوم، 2001)

-  يوسف القرضاوي، رعاية البيئة في شريعة الإسلام (القاهرة: دار الشروق، 2001)

-  مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1998)

- الطيالسي، مسند أبي داود الطيالسي، ت محمد التركي (مصر: دار هجر، 1999)

 

 


[1]  محمد عبد الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998)

   محمد بهائي سليم، القرآن الكريم والسلوك الإنساني (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987)

   حامد الطاهر، الفكر الأخلاقي عند فخر الدين الرازي (جامعة القاهرة/ كلية دار العلوم، 2001)

   محمد عبد القادر حاتم، الأخلاق في الإسلام (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988)

[2]  عبد الفتاح جادو عبد الفتاح، الفكر الأخلاقي عند فخر الدين الرازي (جامعة القاهرة/ كلية دار العلوم، 2001) ص 38

[3]  يوسف القرضاوي، رعاية البيئة في شريعة الإسلام (القاهرة: دار الشروق، 2001) ص 25

[4]  الملك، 14

[5]  الأنفال، 24

[6] مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1998) حديث رقم 1552

[7]  الأعراف، 56

[8]  المائدة، 64

[9]  البقرة، 12

[10]  الأعراف، 74

[11]  البقرة، 30

[12]  الأحزاب، 72

[13]  محمد عبد الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998) ص 137

[14]  الطيالسي، مسند أبي داود الطيالسي، ت محمد التركي (مصر: دار هجر، 1999) ج3 ص 343

[15]  النحل، 97

[16]  الأعراف، 96

[17]  طه، 124

[18]  النازعات، 40



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مكانة المرأة في الحضارة العربية الإسلامية

مكانة المرأة في الحضارة العربية الإسلامية

بالرغم من الحضور الذي خلدته المرأة العربية والمسلمة في مختلف المجالات، وقيامها بأدوار سياسية واقتصادية وشرعية وتعليمية وطبية وإسهامها الكبير في إغناء الحركة العلمية والفكرية والأدبية والدور الذي قامت به في بناء صرح النهضة العلمية وفي إقامة أسس الحضارة الإسلامية، إلا من خلال اطلاعنا على كتب التراجم نجد أن حضورها...

شمس العرب تشرق على الغرب (الجزء الثاني)

شمس العرب تشرق على الغرب (الجزء الثاني)

افتتحت زيغريد هونكه هذا الفصل بالحديث عن معجزة العرب في مجال السياسة والعلوم، فهي ترى أن ما بلغه العرب في ظرف وجيز – عشرات الأعوام – لهو أعظم وأكمل مما حققته حضارات أخرى في مئات السنين، بل إن شعوبا تملك مقومات أكثر للنهوض: : كالإغريق والفرس وبيزنطة وسوريا، لم تستطع أن تزرع بذرة حضارة متقدمة وراقية كتلك التي زرعها العرب...

شمس العرب تشرق على الغرب (الجزء الأول)

شمس العرب تشرق على الغرب (الجزء الأول)

تحدث المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في هذا الكتاب عن العرب وحضارتهم، هذه الحضارة التي أسهم فيها علماء من ديانات متعددة، من مسلمون ومسيحيون ويهود وصابئة، إضافة إلى مفكرين من عدة أعراق كالفرس والهنود والبربر والقوط، وذلك وفق درجات مختلفة وكيفيات متباينة، وتم كل هذا في إطار، لغة علمية موحدة هي اللغة العربية...