حوارات ومدارسات

حوار مع الدكتور بنّاصر البُعزّاتي
حوار مع الدكتور بنّاصر البُعزّاتي

التقاليد العلمية في التراث الإسلامي

والحاجة إلى الرؤية الإبستمولوجية

حوار مع الأستاذ بنّاصر البُعزّاتي

يسعد مركز ابن البنا المراكشي أن يفتتح سلسلة حواراته على الموقع باستضافة الأستاذ الدكتور بنّاصر البُعزّاتي، أستاذ الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم بجامعة محمد الخامس بالرباط، الذي يعتبر أحد أعمدة هذا الميدان وأبرز فرسانه المشهود لهم بوفرة الإنتاج العلمي، مع رصانة في القول، ودقة في النظر، وتريث في الأحكام، وبعد عن الانخراط في السجالات الإديولوجية المجانية التي طبعت ميدان التأليف في العالم العربي اليوم، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتراث العلمي الإسلامي. مع تكوين علمي متين في الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم مكَّنَهُ من الانفتاح النقدي والتواصل المستمر مع ما يجدُّ في هذا الميدان في مصادره الأصلية.

 

المحور الأول: عن التقليد العلمي في العالم الإسلامي

 

أول ما يصادف الباحثين في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية وجود اصطلاحات تستعمل في أبحاث الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم، مثل مصطلح "التقليد العلمي" و"الجماعة العلمية" و"المجتمع العلمي" والبراديغم أو "الإبدال" الذي خصصتم له قولا مهما في الفصل السادس من كتابكم (خصوبة المفاهيم في بناء المعرفة) ؟ هل لكم أن تتفضلوا بإعطائنا تعريفا لمصطلح التقليد العلمي؟ وبالتالي هل يمكن أن نتحدث عن تقاليد علمية في العالم الإسلامي في تلك المرحلة التي سماها البعض بالعصر الذهبي للعلوم الإسلامية؟

 

يمكن استعمال مثل هذه المفاهيم – من قبيل التقليد العلمي- في ميادين مختلفة، كأن يقال مثلا: التقليد الأرسطي في الفلسفة الطبيعية، أو يقال التقليد العلمي الذي تبلور في أحضانه المنطق ودراسة آليات الاستدلال؛ ويمكن الحديث عن التقليد الرياضي الذي كتب في أحضانه كتاب الأصول لأقليدس، أو التقليد العلمي الذي أثمر المؤلفات الميكانية على يد اَرخميدس. فماذا نقصد بالتقليد العلمي؟

لم ينشأ محتوى كتاب الأصول لأقليدس (وف ح 270 قبل م) دفعة واحدة؛ فلا شك أنه كان لأقليدس مدرّسون، وكان لهؤلاء بدورهم أيضا معلّمون وزملاء؛ فتنشأ أفكار يساهم فيها كل فرد بقسط معيّن، وتنحت مفاهيم يقترحها أفرادٌ ممارسون بالمشاركة مع آخرين، ويتمرّن المهتمّون على عمليات عقلية ويبادرون إلى تنقيحها؛ فيتقيّد النظر تدريجياً حيث يركّز على مجال يتكوّن وينمو، وتتحدّد ملامحُه بشكل أدقّ يوماً بعد يوم ... ثم يساهم تراكُم هذه الخبرة والدراية والتعاون بين أفراد معيّنين في نشوب نقاشات بين المهتمين حول نفس المسائل في الحساب أو الهندسة أو في مبادئ الرياضيات. وعندما تتكرر هذه المناقشات يتم فيها تبادل للآراء حول عدة أمور، كالعدد مثلا أو خصائص العمليات الحسابية: الجمع والضرب والطرح... فيحصل تلاقح للأفكار وتتبلور مفاهيم وتتضح خصائص مكوّنات المجال موضوع المناقشة. وهكذا ينشأ التقليد (tradition)؛ فنقول مثلا: التقليد الأرسطي في المنطق والتقليد الأودكسي-الأقليدي في الرياضيات والتقليد الإبقراطي في الطبّ والتقليد الأرخميدي في الميكانيكا والتقليد البطلمي في علم الفلك. لكن التقليد ليس من إبداع فرد واحد: فاَرسطو لم يشتغل على انفراد، بل تبادل التصورات في إطار الأكادِمية ثم اللِكْيوم مع أقران لا يقلّون عنه علماً بقدر كبير، فأخذ وأعطى؛ وكوْن مؤلفات المعلّم الأوّل قد وصلتْنا لا يعني أن الآخرين مِن معاصريه لم يكتبوا ... ولا يمنع وجودُ تقليد مترسّخ في البحث مسيطرٍ على الأذهان في حقبة تاريخية معيّنة من وجود تقليد مغاير منافس ذي مبادئ ومسلّمات مغايرة نسبياً، يترعرع بجانب التقليد الذي تميل إليه الأغلبية؛ إنما يتغلّب تقليد على تقليد آخر بسبب اعتبارات متشعّبة، قد تكون عقيدية أو فلسفية أو سياسية، أو أن التقليد الهامشي (أو المهمَّش) لا يستطيع تقديم ما يكفي من القرائن والأدلة لإقناع المهتمّين فيتضاءل عدد المنخرطين فيه ويخفت بريقُه. ولهذا لا يجب الانزعاج من كون العلوم كلها قد عرفت تيارات فكرية متنافسة متدافعة. وعندما تتحلّق حول تقليد علمي ما مجموعةٌ من النُظّار والباحثين، وتسري مفاهيمُه وافتراضاته الصريحة والمضمَرة في كل الفضاء المفهومي لعلم ما، فينضج هذا العلم، نتحدّث عن بروز إبدال (paradigm) نظري سائد يتحكّم في سبل البحث في أحضان هذا العلم خلال فترة زمنية قد تمتدّ لمدّة طويلة. ورغم أن علم الفلك كان تحت مظلّة الإبدال البطلمي (نسبة إلى كلاوديُس بطلميوس (وف ح 170 م) خلال قرون عدّة، فقد كانت تبرز مناوشات نقدية نظرية من هذا الباحث أو ذاك في مسائل مفردة مهمّة (وتراكم هذه الشكوك والانتقادات عبر حقبة تاريخية طويلة هو الذي كان وراء تبلور برامج لترميم أو إصلاح النظرية الفلكية التي أدتّ إلى التحول العلمي في الفلك مع كوبِرنِك خلال النصف الأول من القرن السادس عشر). ونعْت هذا الإبدال بالبطلمي لا يعني أن بطلميوس وحده هو مؤسِّسه؛ إذ أخذ هذا الأخير جل المعلومات الفلكية عن سابقيه، خصوصاً عن هِبرخُس (القرن الثاني ق م) ورتّبها. فيكون الإبدال البطلمي حاصل التقاء تقاليد 'ابتدائية' متجاورة متداخلة في علم الفلك، نمت خلال فترات تاريخية طويلة. ثم إن فرضية اَرسطرخُس (كوبرنك القرن الثالث قبل الميلاد) في نظام الكون لم تمُت نهائياً، بل ظلت تُستدعى من حين لآخر، وإن كان استدعاؤُها من أجل الحكم عليها بأنها غير مقبولة رصداً وعقلاً. إذن سيادة إبدال معيّن يؤطّر البحث العلمي في مجال ما لا تعني غياب أفكار 'مناوشة' تتصيّد الثغرات وتبحث عن الاعتراضات والشكوك.

على أن التقليد العلمي في الرياضيات ليس من الضروري أن يكون هو نفسه في الفلسفة الطبيعية. فمثلا لم يكتب أقليدس شيئا في الفلسفة الطبيعية، لكن هذا لا يعني أنه كان يجهل كل شيء في هذه الفلسفة، لأن كثيراً من الناس يكتبون في ميادين معينة ويعلمون أشياء هي من قبيل ميادين أخرى، وقد يستفيدون منها دون أن يؤلّفوا فيها؛ حيث لا يرون أنّ بإمكانهم أن يأتوا بكلام مفيد في ذلك، فيركّزون مجهودهم في الأمور التي يتمكّنون منها. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن اَرخميدس (وف ح 212 قبل م)؛ فقد كتب في الهندسة والميكانيكا وميكانيكا السوائل والموازين وفي مراكز الثقل ...الخ؛ ولم يكتب في مسائل فلسفية؛ قد يكون كتب نتفاً فلسفية، أو خطر بباله أن يكتب شيئاً من ذلك، لكنه لم ينشرها أو ظلت مهملة حتى طواها النسيان فانقرضت. لكن هل يحق لشخص أن يقول مثلا إن اَرخميدس لم يكن ذا اطّلاع على أمور الفلسفة؟ لا يمكن قول هذا ولا يمكن تصوّره، وذلك نظراً لأن التكوين الفلسفي كان عماد التكوين النظري في كل العلوم في ذلك الوقت. إذن يمكن أن ننظر في تطور الأفكار باعتبارها تقاليد نظرية قد تلتقي فيما بينها وقد تتنافس وتتعارض دعاواها وافتراضاتها الفلسفية.

انتقل التقليد الأدوكسي-الأقليدي-الأرخميدي في الهندسة التطبيقية والميكانيكا والبصريات إلى المسلمين، فوجد مَن كان مهيَّأً لتطويره، مثل الكندي وأحمد بن عيسى وثابث بن قُرّة،  الذين كتبوا في مسائل من الفلك والبصريات والهندسة والميكانيكا عند منتصف القرن التاسع م ... إذن لدينا تقليد علمي أو تقاليد علمية في أحضان الحضارة العربية الإسلامية منذ أوائل القرن الثالث الهجري؛ بالإضافة إلى وجود تقليد في الفلسفة الطبيعية في نفس الحقبة التاريخية أي بالموازاة معها؛ ففي زمن الكندي وثابت بن قرة أو ربما قبيلهما، نجد بعض المنظّرين - أقول المنظّرين لأن الغالب عليهم أسلوب الفلاسفة، أو حتى متكلمين – يفحصون الفرضيات الكُسمولُجية والأُنطولُجية في نظام الكون وتركيب عناصره وأجزائه وتعالقها السببي. سأضرب مثالا بأبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام (وف ح 231ه/845م)، الذي يبدو أنه كتب في أمور طبيعية: كتب في الحيوان، وفي وقائع الطبيعية وتركيبها وتسلسلها وتحوّلها. ويبدو من خلال أقواله أنه قد استوعب ما أتى به اَرسطو وانتقد بعض الجزئيات في كتاباته؛ لكن من سوء حظنا أننا لم يصلنا شيء من كتابات هذا المفكّر؛ وبعض الدارسين لا يعتبرون النظّام متكلما وفيلسوفا فحسب، بل يعدّونه ممارساً للبحث التجريبي قصد تمحيص الفرضيات الموروثة عن السابقين. وما نعرفه عن هذا الشخص هو ما وصلنا عن طريق تلميذه الجاحظ في كتابه الحيوان، وإشارات أخرى قليلة في بعض الكتابات. إذن فقد تبلور تقليد في الفلسفة الطبيعية عند الاتصال بالتقاليد السابقة، والغالب عليها هو الإرث الإغريقي؛ حيث انتقلت إلى المسلمين، فانتعش وتبلور هذا التقليد لدى هؤلاء (النظّام، الجاحظ، الكندي).

نفس السيرورة حدثت في علم الفلك، فقد كانت هناك تقاليد زمن اَفلاطُن واُودُكسُس واَرسطو، ومن بين النماذج التي قدمت من أجل رسم هيأة العالم، نشير إلى كتاب الظواهر لاُودُكْسُس الذي عاصر اَفلاطُن واَرسطو؛ ولم يبق من الكتاب إلا بعض الشذرات أتى بها شخص يسمى اَراطُس عاش حوالي قرن بعد موت اُودكسس. وقد عبر عن تلك الأفكار الفلكية في أشعار منشورة تحت عنوان الظواهر (phainomena) كتبت في أواسط القرن الثالث قبل الميلاد. انتقلت هذه الأفكار أيضا إلى المسلمين، حيث العشرات من العلماء مثل الكندي والبتّاني والفرغاني وثابت بن قرة... انكبوا منذ أوائل القرن الثالث الهجري على دراسة هذه الأفكار، هذا بالإضافة إلى ترجمة كتاب "المجسطي" الذي يحتوي على جل الأفكار التي توصل إليها القدماء فيما يخص هيأة العالم أو نظام العالم؛ ويعتبر هذا الكتاب أهمّ كتاب في الفلك القديم، لكن هذا لا يعني أنه يحتوي كل المعارف الفلكية التي تداولها المهتمّون آنذاك. هذا مصير الكتابة العلمية غالبا. فالكتابة العلمية تحاول أن تنقل ما يعدّ أفضل ما وصل إليه النظر العلمي، مما يعني أن هناك أموراً أنجزها سابقون قد ينظر إليها بأنها أقل أهمية فلا يوردها الكتّاب في مؤلّفاتهم أو لا يفهمون كل تفاصيلها. وفي نفس الفترة (أوائل القرن التاسع للميلاد) التي برزت فيها تلاخيص وشروح فلكية، استأنف الرصد الفلكي من أجل تكوين جداول حول شروق وغروب الأجرام السماوية نسبة إلى مواقع بغداد ودمشق وغيرهما ... ممّا يعني أن انتقال تقليد علمي من منطقة جغرافية ذات بيئة ثقافية معيّنة إلى أخرى متلازم مع انتقال آليات البحث والنقد والتمحيص ضمن هذا التقليد؛ إذ التصورات والمفاهيم متلاحمة مع الآليات التي تنتجها وترعاها وتنشرها. ولكن عمليات النقل والاقتباس والترجمة والتقريب تتضمن انتقاءً وتمييزاً في ضوء الاختيارات الفلسفية والعقيدية والسياسية التي تشجّعها.

الواقع أنه عندما نقول مثلا أن كتاب الأصول لأقليدس يحتوي مجمل المعارف الرياضية الإغريقية المتداولة قبله، فهذا لا يعني أنه يحتوي كل تلك المعارف الرياضية؛ إذ من الممكن أن توجد هناك أفكار لا تنسجم مع الإطار النظري الذي يشتغل ضمنه العالِم فيتجاهلها. ولنضرب مثالا على ذلك: فلنتصور أقليدس يكتب في أصول الرياضيات. ما معنى أن يكتب؟ معنى أنه يضع أمامه – أو يستحضر ذهنياً - على الأقل خمسة كتب أو ستة أو ثمانية فينقل عنها ... مستفيداً من أساتذته وزملائه. ترى ماذا سينقل؟ سينقل ما ينسجم مع إطاره النظري، بما يستلزم ذلك من تهذيب وتنسيق؛ والأمور التي يرى أنها لا تنسجم مع هذا الإطار فإما أن يعتبرها خارج ما يسمى بالعقل، أي خارج البرهان، أي خارج معيارية العقلية العلمية لذلك الزمن، فيسقطها من الحساب أو يهملها لأنها لا تتوفر على قدر من الاتّساق؛ ولا يصدر هذا الاختزال عن وعي دائماً ... ولكن عندما ينتهي أقليدس من كتابه الأصول، ماذا سيكون مآل تلك الكتابات التي نقل منها والتي تحتوي - كما قلنا - أفكارا لا تنسجم (ولو بقدر بسيط) مع الإطار النظري ومع الخطاطة التي هيأها هو والتي على ضوئها ألّف في هذا الباب؟ فلا شك أن هناك أفكاراً أو شكوكاً أو اعتراضات أو اقتراحات عبّر عنها سابقوه، يستبعدها لأنها غير مقبولة لديه لسبب ما، وقد يشير إليها باعتبارها ضعيفة أو لا يشير إليها البتّة. وماذا سيفعل عندما ينتهي من كتابه؟ في الغالب سيمزّق تلك الكتب التي نقل منها، أو على الأقل سيضعها في مكان مهمل فتضيع، وبالتالي سنُحرَم نحن من تلك المصادر التي نقل عنها. وهنا تكمن الصعوبة بالنسبة لتاريخ العلم. كيف نتحدث عن اقليدس باعتباره قد نسّق الرياضيات اليونانية وفي نفس الوقت لا يشكّل المصدر الوحيد لتاريخ الرياضيات؟ وإذا أردت أن تستكمل الرؤية عليك أن تعوّل على كتابات أخرى تكون في الغالب هامشية، فتتصيّد منها بعض الإشارات: لدى اَفلاطُن واَرسطو وغيرهما، إضافة إلى ما يكتبه الشرّاح والمعلّقون وأصحاب التراجم. إن نظرتنا إلى هذه الأمور وحتى إلى مكوّنات التقليد العلمي لن تكون شاملة، بل ستكون دائما في حاجة إلى ترميم وتهذيب ومراجعة ...

إذن التقليد العلمي هو مجموع تلك الخبرة المتراكمة من خلال تداول الأفكار العلمية بين مجموعة من العلماء – الجماعة العلمية - في ميدان معين، حيث تنبثق مفاهيم وتصورات في ارتباط مع الفكر السائد بمكوّناته الفلسفية والعقيدية؛ فيكون لدينا تقليد علمي في الرياضيات وآخر في الفلسفة الطبيعية وآخر في الطب ... بالإضافة إلى تعليقات تعيش على هامش كل تقليد علمي، وليست بدون فائدة، لأنها تحفّز الفاعلية العقلية على التمحيص والمراجعة.

وفي الطب، إذا عدنا إلى زمن اَفلاطن، سنجد هناك مدرسة طبية ذات إشعاع هائل، وتعتبر أهم مدرسة علمية آنذاك، نشط فيها اِبقراط الكوسي (وف ح 370 ق م)، إلى درجة أننا لا نسمي المؤلفات الموروثة عن هذه المدرسة بكتابات اِبقراط، بل نقول كتابات التقليد الإبقراطي؛ إذ لم يقم بكتابتها كلها شخصيا، بل أكملها طلابُه ورتّبوها ونقّحوها. وكان البحث التجريبي والنظر في وظائف الأعضاء وتكوّن الأجنّة والأمراض والأوبئة جماعياً ... وعليه، يمكن أن نسميه التقليد العلمي في البحث الطبي الذي تبلور في جزيرة كوس وأبرز شخص في هذا التقليد هو ابقراط، ورث الصنعة عن أبيه وآخرين. وانتقل هذا التقليد الطبي أيضا إلى المسلمين، بعد أن مرّ بفترات طويلة من الامتحان والمراجعة، خصوصاً على يد كلاوديُس جالينُس (وف ح 200 بعد م).

إذن، عندما نتحدث عن التقليد العلمي فهذا لا يعني أن كل العلماء الذين اهتموا بذلك الميدان العلمي كانوا مجمِعين على كل الأفكار؛ إذ ليس هناك إجماع تام في أي علم، حتى في الرياضيات. حيث تظل بعض المسائل معلَّقة تناقَش وتتبادل في شأن جزئياتها الخبرة والنقد والأدلة والأدلة المضادّة. بالطبع نحن نجمع على العمليات الحسابية الأساسية، ولكن هناك اختلافات بين الناس في الإنجاز وترتيب العمليات وسعة الاطّلاع. ونفس الشيء بالنسبة للطب؛ ففي زمن افلاطُن كان هناك تقليد علمي في البحث الطبي، ولكن إذا قرأنا جالينس في القرن الثاني الميلادي سنجده يتحدث عن الباحثين في الطب باعتبارهم يشكلون تيارات فكرية: هناك بحث طبي يركز على التجريب وهناك تيار طبي يركز على الممارسة العفوية، وهناك تيار طبي يركز على إعمال العقل، أي ما يسمى بإعمال القياس العقلي. إذن، كان هناك تقليد في الطب يسمح نوعا ما بتعدد الآراء داخل التقليد؛ أما تلك المسائل الأساسية، أي المبادئ النظرية والمسلمات الفكرية التي تكون جوانب منها مصرح بها وتكون أخرى مضمرة، فهذه الأخيرة هي التي تقود أفكارنا وتضع حدوداً لتعرّفنا وتصورنا. ورغم أننا لا نتحدث عن المسلمات المضمرة، لكنها تتحكم في أذهاننا وتوجّه تعرّفنا وأحكامنا. إذن، هناك جماعة علمية تمارس هذه الأمور، أي تشتغل في إطار نسيج من المسلمات المصرح بها والمضمرة  نسميه الإبدال.

 

قلتم إن لدينا تقليدا علميا أو تقاليد علمية في أحضان الحضارة العربية الإسلامية منذ أوائل القرن الثالث الهجري؛ بالإضافة إلى وجود تقليد في الفلسفة الطبيعية في نفس الحقبة التاريخية أي بالموازاة معها. كيف تأسس هذا التقليد العلمي؟ أي كيف حدث أنه في خلال قرن واحد حدث ذلك التحول الكبير في المعارف العلمية للمجتمع الناشئ؟ وبعبارة أوضح: ما هي أهم الأسباب التي أدت إلى تأسيس تلك التقاليد العلمية في الحضارة الإسلامية؟ خاصة ونحن نعلم أن مؤرخي العلوم تتجاذبهم رؤيتان: الأولى ترد ذلك إلى الترجمة، ترجمة علوم الأوائل، والثانية تتحدث عن وجود علاقة تفاعلية بين حركة البحث العلمي وبين فعل الترجمة؟

 

يجوز أن يقال إن هناك تيارين أو ثلاثة أو أكثر، لأن كل باحث يخطّ لنفسه مساراً معيناً بجانب زملائه وبالتعاون معهم، وفي جو لا يخلو من تنافس، من خلال استثمار وثائق ومعطيات معيّنة. والاختلاف في الرؤى عادي جداً، كما هو الأمر في أي ميدان يتمتّع بدينامية البحث: إذ لا تتوفّر نفس الأمور لكل الباحثين وفي نفس الوقت. لكن السؤال الأساسي، هو أنه كيف حصل أن هذه الثقافة المرتبطة بالدين الإسلامي أدّت في ظرف وجيز - أي خلال قرن أو قرن ونصف- إلى ظهور علماء أفذاذ، أسهموا لا فقط في هضم واستيعاب المعارف العلمية التي سبقتهم، بل وفي إضافة أفكار علمية جديدة منذ الأجيال الأولى. هل يتوقف هذا الأمر على الترجمة؟ أم أنه حصل بالموازاة معها؟ أظن أنه لا يوجد تناقض بين مثل هذه الآراء. فلنتساءل: هل نقصد بالترجمة النقلَ من لغة إلى أخرى بكيفية مباشرة ومعبّر عنها من لغة مكتوبة إلى أخرى مكتوبة؟ أوَ لا نرى أن الترجمة هي مصير البشر منذ أن وُجدوا، فنحن في تواصلنا الشفوي اليومي نترجم كما كان هؤلاء يترجمون. وقد كانت في تلك الرقعة الجغرافية -أي في شمال الجزيرة العربية- ثقافات متنوعة منذ قرون عديدة قبل وصول الإسلام إليها. كان كثير من الناس يعرفون اللغة اليونانية (اللغة الرسمية للبيزنطيين) والسريانية والفارسية، كما كانت هناك قلة قليلة تعرف حتى القبطية والسنسكريتية (لغة الهند). إذن، كان هناك تفاعل حضاري غنيّ جداً وتبادل للأدوار بين لغات معينة قبيل الإسلام. فلنأخذ مثلا أي مركز علمي آنذاك، مثل حران أو أنطاكية أو نصيبين أو جنديسابور ... سنجد تنوعا لغويا وثقافيا وجدلاً دينياً، تتدافع وتتجاذب في سياقه تياراتٌ وتصوراتٌ متنوعة حول نظام الكون ومكانة الألوهية وواجب الفرد والجماعة ... لنأخذ حرّان أو أنطاكية، فبعد أن كانت تحت السيطرة البيزنطية خلال خمس وعشرين سنة، تهاجمها الجيوش الفارسية وتستولي عليها خلال أربعين سنة، ثم تتراجع الجيوش الفارسية وتأتي الجيوش البيزنطية (التقدير بعدد السنوات تقريبي فقط، لتقريب الفكرة) ...؛ وعند كل تغيّر تنقلب تراتبية اللغات والثقافات في تلك الرقعة؛ وهناك قوافل تجارية لأقوام عديدين منهم القبط والعرب والفرس تجوب الأقاليم في كل اتّجاه ... وهكذا؛ أي أنّ هناك تعدداً لغوياً حتى قبل الإسلام في هذه المناطق فيترجم الناس تلقائياً؛ إضافة إلى أقلية من الدارسين يترجمون كتب الطب والمنطق والرياضيات وبعض الفلسفة ... فكانت هناك اللغة السريانية محليا، بالإضافة إلى اليونانية شمالا، والتي كانت لغة الإمبراطورية البيزنطية، بالإضافة إلى اللغة الفارسية إلى الشرق. وكانت هناك نصوص مكتوبة بهذه اللغات الثلاث: نصوص في المنطق، وفي الطب، وفي الرياضيات. ربما لم تكن هذه النصوص غنية جداً، ولكن على الأقل كانت تقدم النصوص الأوّلية التي تضمن مستوى معيناً أوّلياً من الفكر العلمي والمقولات الفلسفية والتصورات الدينية. إذن، كان هناك تعدد لغوي وثقافي، يمكن أن ينفتح عليه مَن رغب في ذلك أو من سمحت له ظروفُه بأن يفعل. وكان أيضا تعدد في الديانات، إذ كانت هناك اليهودية والزرادشتية والمسيحية والصابئة والمانوية والزُروانية ...، وكل معتقد ديني كانت تنشط فيه مذاهب كثيرة وتتفرع عنه أساليب متنوعة في التعبّد والسلوك. ثم كان هناك جدال وتبادل للآراء بين نخب تنتمي إلى مناطق جغرافية عدّة. وعندما أتى المسلمون إلى هذه المناطق وجدوا عائلات متخصصة في الأمور العقدية أو في التقاليد العلمية، وتستطيع حتى أن تضع مخططات للعلوم؛ وهو ما نسمّيه اليوم بالسياسة العلمية. ونذكر على سبيل المثال: عائلة آل برمك، والذين لم يكونوا علماء فحسب، بل كانوا منظرين للعلم كما كانوا منظرين للدبلوماسية؛ وكذلك الشأن بالنسبة لعائلة نوبخت وعائلة بختيشوع. وتجد عشرات الأسماء يشتغلون مع كل واحد من هؤلاء المختصّين. إذن، فقد كانت هناك تقاليد علمية مختلفة حسب الميول والأغراض والخطط. وماذا فعل المسلمون؟ نقوا هذه العلوم بالتدريج إلى العربية وطوروها بعد أن اطلعوا عليها. وأغلب مَن باشر فعل الترجمة إلى العربية ينتمون إلى تلك العائلات ذات الأصل الفارسي أو السرياني، التي امتزجت مع أفراد وأسر عربية أو غيرها. هل تعرّف هؤلاء المسلمون على العلم قبل الترجمة أم بعدها؟ يبدو أنه لا يوجد جواب نهائي على هذا السؤال، لأن التعرف في حد ذاته عمل علمي وترجمة في نفس الوقت، والترجمة هي نفسها عمل فكري، لأن الترجمة تحتاج إلى مجهود كبير جدا. وهناك أمور تحتاج اليوم إلى دراسة سسيولُجية: فأن يعيش سوري سرياني اللسان مسيحي أو صابئي المعتقد في دمشق ويترجم كتاباً في الطب الإغريقي إلى العربية زمن هارون الرشيد العباسي، هل يجب أن يعدّ هذا العمل من التقريب العلمي الإسلامي أم التقريب العلمي العربي أم ماذا؟ هل هذا تراث عربي صرف أم إسلامي صرف أم سرياني، على الأقل جزئياً، بالنظر إلى المنطقة التي أنجز فيها والذاكرة الثقافية للمترجم؟ إن مسألة الهوية الثقافية للفاعلية العقلية في منتهى التعقيد؛ وغالباً تنشط الفاعلية العقلية في مناخ تتعانق فيه الأنسجة الثقافية وتتداخل وتتفاعل.

ويمكن أن نقول إن قلة من العرب حتى قبيل الإسلام كان في متناولها الحصول على نصيب لا بأس به من الفكر العلمي. فنجد مثلا تبادلا للأخبار بين التجار الذين يسافرون إلى الشمال بالإضافة إلى تبادل البضائع؛ كأن يقولوا مثلا: إن الطبيب الفلاني يعمل في المركز الفلاني ... هذه أخبار كانت تتداول مع التجارة. كما يمكن أن يكون بعض العرب قد سمعوا عن مدارس التعليم الموجودة آنذاك. والحال أننا نعرف أسماء بعض الأشخاص الذين درسوا في هذه المدارس كالحارث بن كلدة الذي درس في جنديسابور، والذي يعتبر أول طبيب في الإسلام، ويظهر أن أصله من المدينة. إذن فقد كان بعض العرب يحصلون على قدر من المعرفة العلمية في الأيام الأولى للإسلام. لكننا نتساءل: هل ساهم هؤلاء الذين تعرفوا على العلوم في فجر الإسلام في تكوّن هذه التقاليد العلمية التي شهدتها الثقافة الإسلامية؟ لا يمكن أن نجزم بذلك. قد يكون هناك بعض ممّن اطلع على هذه العلوم لكنهم لم يدخلوا في الإسلام، كما يمكن أن يكونوا قد انتقلوا إلى مناطق أخرى في فجر الإسلام ... ونظرا لنقص الوثائق لا يمكن أن نعطي فرضيات يمكن أن تكون نتائجها ثقيلة شيئا ما، ولكن لا يجب بالمقابل أن يغيب عن أنظارنا مثل هذه الأمور. المهم هو أن هذه التقاليد العلمية التي شهدتها الحضارة الإسلامية قد عرفت تبلورا تدريجيا وذلك بداية من أوائل القرن الهجري الثاني ببطء، ثم تسارعت وتيرتها عند نهاية القرن الثاني، زمن هارون الرشيد، وبدرجة ما قبله، أي في فترة حكم المنصور. لا بد أنه كانت هناك فئة من الناس تهتم بمثل هذه الأمور، ولكن ربما أن بعض الفقهاء لم يقبلوا بهذا، وربما لم يكن هناك تشجيع من بعض الجهات.

 

بل ربما يرجع ذلك البطء إلى أن القرن الأول كان يمثل مرحلة التأسيس والتوسع السياسي والحضاري للمسلمين، وكان يشهد فتنا سياسية معروفة، فلما بدأ الاستقرار السياسي بدأ تسارع وتيرة تلك التقاليد العلمية خاصة مع التفاعل الخلاق مع الثقافات التي تعرفوا عليها. ألا يصح هذا الافتراض أيضا؟

لا يوجد اضطراب شامل كما لا يوجد استقرار تامّ. والأمثلة كثيرة عن وجود ازدهار حضاري يرافق اضطراباً سياسياً، كما توجد أمثلة عن تفشّي الخمول والجمود رغم الاستقرار. والسؤال يخصّ القرن الأوّل. هناك واقع: أن الأغلبية المطلقة من المسلمين الأوائل لم يكونوا ذوي اطّلاع على العلوم عن قُرب. والأغلبية الساحقة من المستشارين في أمور الاقتصاد والإدارة والبناء والبريد وغير ذلك من المظاهر الحضارية كانوا من غير العرب؛ وبعض من هؤلاء دخل في الإسلام والبعض لم يفعل. ويجب النظر إلى مجتمع يتكوّن من فئات وثقافات ومعتقدات ذات مصالح، تلتقي أحياناً مع مصالح المنتصِر وأحياناً تتعارض معها. وفي سؤالك ذِكر لبداية الاستقرار السياسي؛ متى كان؟ لقد استمرّت حالات التمرّد داخل البلاط وخارجه، سواء في آخر الدولة الأموية أو بداية الدولة العباسية، وحتى بعد المأمون؛ ورغم ذلك اهتمّ البعض بالعلوم والطب لأسباب متنوّعة ...

هناك من يقول إن معاوية الخليفة الأموي الأول كان له بعض المستشارين المطلعين على تجارب الحكم، أي أنه استعان ببعض الخبرات الفارسية والبيزنطية في المسائل السياسية. واستفاد الخلفاء من خبرة مستشارين قبل معاوية. وإذا نظرنا في ديوان البريد وفي ديوان الخراج سنجد أن هناك استفادة من أشخاص لم يكونوا عرباً ولا مسلمين.

على أن الأمر لا يتعلق ب"كل شيء" أو "لا شيء". فلا يمكن أن يوجد مجتمع بدون قدر معين من المعرفة، ولا يمكن أن نتصور أن كل الناس بمكة والمدينة كانوا يجهلون تماما الحساب أو بعض المعارف الأولية المتعلقة بالنباتات والزيوت والأغذية والحيوانات قبل الإسلام؛ إذ بمجرد أنهم يتبادلون على المستوى التجاري فلا بد أنهم كانوا يعرفون العمليات الحسابية الأولى. وعرفوا معارف عفوية محلية مما كان يصنّف من الفراسة والأنواء والقيافة والرمل وكانت لهم طرائق في العلاج ... وهي معارف غير دقيقة وغير ممحَّصة ولم تتطور، لكن كانت تؤدي وظائف مجتمعية ونفسية تجعل الفرد يندمج مع البيئة الطبيعية ومع الجماعة ومع البيئة الثقافية التي يحيى فيها. إنما يظل الأمر متعلقا بالانتقال من الشفوي إلى الكتابي. فلم تنطلق النقلة من معارف عفوية عامّة نحو امتلاك معارف متطورة إلا من خلال الاحتكاك بالتقاليد الفكرية والعلمية غير العربية.

نشطت العلوم إذن في أحضان الثقافة الإسلامية من خلال التفاعل التاريخي الخلاق الذي ساهمت فيه أجناس مختلفة. أما بالنسبة لعملية الترجمة فجل النقلة الأوائل لم يكونوا عربا ومسلمين في الغالب، كانوا متمكنين من لغات عديدة (غالباً ثلاث لغات)، ويؤدون واجبهم لأنهم يحصلون على مقابل مادي ومكافئات أو مرتّبات، إضافة إلى وجود عنصر أساسي هو التنافس بين العائلات، والتنافس بين الأفراد المنتمين إلى ثقافات متعددة: فالسرياني مثلا يجب أن ينافس الفارسي، وهذا يجب أن ينافس أشخاصا من ثقافة أخرى، ويجب على العربي أن يبذل مجهودا حتى يأخذ مكان هؤلاء في ظرف سنوات عديدة، لأن المعرفة هنا متعلقة بتطوير المعرفة في حد ذاتها، وكذا بالمكانة الاجتماعية وبالسلطة المادية والمعنوية والسلطة السياسية. إذن، ففي خضم هذه العوامل المتشابكة والكثيرة تبلورت الأفكار العلمية وتطورت.

كل فئة مجتمعية أو ثقافية تُقبل على المعرفة العلمية من منطلق معيّن: فالحاكم يُقبل على العلم بسبب المنفعة التي يجرّها على المنطقة، مثل شقّ الطرق وحفر الآبار والزراعة والعلاج والمعمار وصناعة أدوات الحرب ...؛ والمتخصص المنتمي إلى الثقافة السريانية الصابئية يمارس البحث العلمي لأنه يحصل على تعويضات مالية مهمّة ...؛ والمنتمي إلى ثقافة سريانية مسيحية قد يجد في البحث العلمي تحقيقاً لجزء من تراث أجداده ... إذن، الدوافع تختلف حسب الفئات الفاعلة، لكن الثمرة هي تطوير الفكر العلمي وإغناء المعرفة في المجالات حسب الحاجة والأولويات، فيحتدّ التنافس وتنمو القدرات التعرّفية والبحثية ...

ونشير هنا إلى مسألة التنافس بين التقاليد الفلكية، إذ يقال بأن أول كتاب عرفه المسلمون في علم الفلك ترجم من اللغة السنسكريتية زمن أبي جعفر المنصور حوالي 150هـ؛ والفلك السنسكريتي قريب من الفلك الفارسي، إذ كان عبارة عن أفكار ربما يعوزها التنسيق الذي اشتغلت به الأنظمة الفكرية اليونانية، بحيث أنه إذا كان هناك فكر فيه ضعف على مستوى التنسيق، ربما يسهل استعماله في العمليات التنجيمية وفي قراءة المستقبل ... بينما الفلك الإغريقي فيه مجهود تنسيقي أكبر واستعمال للنماذج الرياضية بكيفية واضحة، ثم إن طابعه التركيبي أضبط نسبيا. إذن، لا بد أن يكون هناك تنافس بين هذا التقليد السنسكريتي الفارسي والتقليد الإغريقي في علم الهيئة. أين نجد هذا التنافس؟ عندما حصل ذلك التحول زمن المأمون؛ وليس صدفة أن يكون المأمون قد مال إلى النموذج الثاني، لأن النموذج الأول -أي الفلك ذي الماضي السنسكريتي الفارسي- كان قد أصبح عرضة لتأويلات باطنية، هذا إضافة إلى بعض العوامل السياسية، نقصد هنا قصة العباسيين مع الشيعة: ففي البداية كانوا أحلافاً لهم، ثم انقلب عليهم العباسيون في ما بعد ...، فواضح أن النظر العلمي كان مرتبطا بالحساسيات الإديولُجية. إذن كانت هذه التيارات الفكرية متصارعة ومتدافعة من أجل استمالة الأذهان، وهي مرتبطة بالصراعات السياسية من أجل السلطة ومن أجل التحكم في سيرورة الأفكار وتجميع المعلومات؛ ولا يخفى على الخبير العلاقة بين المعرفة العلمية والقريبة من العلمية وبين الاستعمال التقني والمكتبي والمؤسسي مثل الخراج والتجارة وشقّ الطرق وبناء المدن ... والتحكّم في دواليب الدولة.

 بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، زاد ذلك في غنى الموارد المالية التي كانت تصل إلى الدواوين في دمشق وبغداد، مما دفع بالبحث العلمي إلى اتخاذ أشكال أكثر أهمية نتيجة للتمويل المتزايد. ومن البديهي أنه كلما اتسعت الامبراطورية زاد التنافس والاختلاف والتباين بين الفاعلين. وهذا ما يمكن ملاحظته في البصرة وبغداد ودمشق التي ضمت أجناسا مختلفة، مما جعل التنافس يحتد والمكافئات تتسع. وبقدر ما تكون المكافئات أهمّ يكون المجهود أكبر والثمرة أغنى. فالمسألة متناسبة ونسبية في نفس الوقت.

 

من الشائع أن الترجمة انصبت على التراث العلمي اليوناني، هل فعلا كان هناك اختيار للثقافة الإغريقية ؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يرجع هذا إلى ما سميتموه بالمجهود التنسيقي الذي تميز به، وبطابعه التركيبي واعتماده النماذج الرياضية؟

 

إذا أخذنا على سبيل المثال كتاب المجسطي في الفلك وكتاب الأصول في الرياضيات وكتابات أرخميدس، فإننا لا نجد لوزنها العلمي مقابلا آنذاك في الفارسية والسنسكريتية؛ إذ تميزت المعلومات العلمية اليونانية بجودة النسج والسبك وحسن التنظيم ومتانة البناء الاستدلالي والاتساق المنطقي، مما يجعل منها قلادات منسجمة. هناك عامل آخر يرجع إلى الأسبقية التاريخية: الرياضيات على سبيل المثال، لكننا نشير هنا إلى أن الأمر لم يحسم تماما بين المؤرخين، فلا زالوا إلى الآن يناقشون هل كان للهنود رياضيات قبل اليونان أم لا؟ ونفس الشيء في المنطق، فقد كانت هناك مدرسة للمنطق في الهند، ويقدم الآن مؤرخو المنطق كتابات لهذا المنطق الهندي. يجب أن لا ننسى المعلومات التي كانت تصل حتى الصين وتأتي منها، والتي كانت تتاجر مع روما، من أين كانت تمر هذه التجارة؟ عبر هذه المناطق: فارس والهند ... وقد كان هناك تمثل للأفكار قبل الإسلام، وتعرف المسلمون على جل هذه الأمور، لكن الأفضلية واضحة لما وصل إليهم عبر اللغة اليونانية (وأحياناً بوساطة اللغة السورية أو السريانية) بحكم جودة السبك. يمكن أن يكون للهنود معارف في الميكانيكا والأوزان والمكاييل، ولكنها لم تصل إلى البرهنة الرياضية كما هو الشأن لدى اَرخميدس على سبيل المثال. وبقدر ما يتعلم المرء سيفضّل المعرفة القائمة على البرهان على المعارف المبعثرة الأخرى. إذن، فتفضيل الإرث اليوناني ذو مبررات عقلية: نجد في اللغة اليونانية أزيد من مئة كتاب في العلوم المختلفة إذا جمعت كتابات اَرسطو واَرخميدس وجالينُس وبطليموس ... بينما نجد في السنسكريتية أقل من ذلك بكثير؛ والفرق كمّيّ وكيفيّ. إذن، هذا التراث المكتوب باللغة اليونانية أغنى وأدق من الآخر. هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى جغرافية وسياسية، وكذا أذواق المترجمين كأشخاص. إذن هناك عوامل داخلية خاصة ببناء المؤلفات العلمية اليونانية، وأخرى خاصة بالقرب الجغرافي، بالإضافة إلى أن هذه المؤلفات كانت قد وجدت الطريق إلى هذه المنطقة قبيل الإسلام. وربّما تبيّن للمترجمين والسياسيين أنّ ما يُتداول من علوم وفكر في اللغات السريانية والفارسية والسنسكرتية والقبطية مُقتبَس من أصول باللغة اليونانية؛ فحصل التقرير بأفضلية الأصول، إضافة إلى مستوى الدقّة.

 

كيف كانت تتم الترجمة؟ هل كان يشترط في المترجمين شروط دينية أو علمية؟

 

تتداخل في موضوع الترجمة أمور متعددة لا ينتبه إليها المرء كثيراً؛ بحيث إذا نظرنا مثلا في كتاب صغير جدا للطبيب المترجم حُنين بن إسحاق بعنوان "فيما ترجمته من كتب جالينس"؛ نجد في هذا الكتاب ذكراً لكتب جالينس في وظائف الأعضاء وفي طبيعة الجنين وفي الغذاء وفي علل العين وفي أمراض عدة، فيقول عن كل واحد منها: إن هذا الكتاب كان قد ترجمه فلان إلى السريانية وطلب الطبيب فلان من فلان أن يترجَم له إلى العربية ... وعلى هذا القول نستنتج أن الترجمة لم تكن دائما بطلب من الحاكم - أي المسؤول السياسي، بل تكون أحياناً بطلب من عالِم. أحيانا نجد طبيبا ذا اطلاع على ركام من المعلومات، يطلب أن يترجم له كتاب من طرف زميل له، ويكون زميله هذا أيضاً طبيباً. ومن هنا نلاحظ أمراً مهماً متعلقا بالتعاون العلمي، حيث يتمّ الاعتراف بقيمة الترجمة الجيّدة ويشار إلى نواقص الترجمة إن كانت هناك نواقص، فيأخذ شخص على عاتقه إعادة الترجمة. وعلى هذا الأساس نقول إن الترجمة كانت تمر عبر مراحل، وبالتالي كان الكتاب يترجم لمرات عديدة أو تنقّح الترجمة الأولى ... كل طرف في عملية الترجمة: المموّل والمباشِر والمصحِّح والناسخ يبسط شروطه ... وكل الشروط معرّضة للتفاوض؛ ويبرز أحياناً تعارض المصالح فيتحوّل التنافس إلى وشاية أو حسد أو اتّهام ... ويمكن أن يحصل بين عائلتين مسيحيتين كما يمكن أن يحصل بين عائلة عربية مسلمة وأخرى فارسية مسلمة؛ ويمكن أن يحص الصدام بين فارسي مسلم وفارسي زرادشتي ... ففي حساب المصالح تتشعب المواقف وقد تتغيّر بتغيّر الظروف.

من جانب آخر، نقرأ في كتاب حُنين أن هذا الكتاب لجالينس ترجمه فلان بطلب من فلان إلى اللغة العربية، وبعد ذلك ترجمه فلان إلى اللغة السريانية. إن الرائج عندنا أن الترجمة كانت تتم أولا من اليونانية إلى السريانية ثم بعدها إلى العربية. لكن لدينا أمثلة عديدة لكتب ترجمت إلى اللغة السريانية بعدما كانت قد ترجمت إلى اللغة العربية من قبل، ومعنى هذا أوّلا أنه كان من بين أولئك الأطباء السريان من كان يمارس الطب ولم يكن يعرف اللغة العربية جيداً، وثانيا، يمكن القول إنه كان هنالك طلب على اللغة السريانية في ذلك الوقت؛ وللإشارة كذلك في تلك الحقبة، زمن المأمون والمعتصم والواثق، لم تكن لغة العلوم هي اللغة العربية وحدها، بل كان هناك تنافس بين اللغات العربية والفارسية والسريانية في مركز الحكم الإسلامي، إضافة إلى أن اللغة العربية لم تكن قد نحتت كل المفردات المحتاج إليها للتعبير عن المفاهيم التقنية والطبية والعلمية والفلسفية. ومعنى هذا أن الترجمة كانت مرتبطة أشد الارتباط بالبحث العلمي من جهة، ثم أن الأمر كذلك، كان متعلقا ومرتبطا بالتنافس الذي كان يدور بين فئات وأفراد ينتمون إلى ثقافات متعددة وإلى معتقدات دينية مختلفة من جهة ثانية.

 

لكننا نعلم أنه كان هناك نقاش حاد حول ثقافات الشعوب الأخرى كاليونان والفرس والهند، ونعلم أن الفقهاء كان لهم موقف متشدد من الفلسفة اليونانية التي كانت تهمين على تلك العلوم. هل ينطبق هذا الموقف على العلوم الدقيقة؟ أعني الرياضيات والفيزياء والفلك...الخ؟ كيف تعامل هؤلاء إذن مع التراث اليوناني في هذه العلوم؟ هل قبلوه أم رفضوه كما رفضوا الفلسفة؟

 

هناك أولاً إشارة إلى ما قلته عن الترجمة وعن قيمتها، هل كانت جيدة جدا؟ هل كانت وثيقة؟ هل كانت وفية للنص؟ ... نجد أن أول من تحدث في هذا الأمر هو الجاحظ، حيث نراه طعن في بعض الترجمات، وقال بأن الترجمة عمل صعب جدا ولا ينجح فيه إلا المتمكنون من لغة المنقول واللغة المنقول إليها. هذه الملاحظات كانت جد واضحة وتمس الصميم، ولهذا لا يمكن أن توجد ترجمة وفية مِئة بالمِئة. ولكن عندما تتعدد الترجمات فالفاحص المتخصص يستطيع أن يميز ما بين هذه الترجمات؛ فيكون التمييز هنا جزءاً من فاعلية النقد العقلية ...، وكأن الترجمة هنا شر لا يمكن تجاهله.

مسألة المواقف من هذه الأفكار المقتبَسة مهمة جدا بحسب الاتجاهات الدينية لدى الأطراف المعنية، وحتى الاتجاهات الفقهية التي تواجدت داخل الحضارة الإسلامية. فبالنسبة للفيلسوف المشّائي، بالطبع سيظل تلميذا لاَرسطو ما دام لم يجدد معلوماته من خلال البحث النظري؛ وبسبب عدم التجديد سيظل مدافعا عن فكر اَرسطو ضد فكر منافسيه؛ وهو نفس الأمر الذي سيفعله المانوي، ونفس الشيء سيفعله الفقيه المتشدد؛ فعندما يسمع هذا الأخير كلام أناس يتحدثون عن الصورة والجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ، فمن المنتظَر أنه سينزعج ويتخذ مواقف رافضة متشددة من أفكارهم، بحيث سيقول إن هؤلاء يضرّون بمعنويات الجماعة التي تعانق ثقافته ويمسّون شعورها، فيجب الوقوف ضدهم وهذه الأمور عادية تاريخياً. لذلك فمثل هذه الأمور لا يمكن أن نجيب عنها إلا من زاوية أخلاقية المعرفة.

قد يقول قائل إن هذا الفقيه كان يعارض عِلما دون أن يطّلع على محتواه. بالطبع، إن الأمر هنا محرج جدا، لأن أخلاقيات النظر تقول إنه لا يحق لك أن تبدي رأيا في أمر تجهله. ولكن هل قامت الجهات الأخرى ببذل مجهود كاف من أجل تقريب هذه المعارف إلى هذا المناوئ ل"علوم الأوائل"؟ (من هذه الزاوية أيضا هذا مشكل)، فتقريب المعرفة يحتاج إلى قنوات الإيصال والتواصل والحوار، ويحتاج إلى قرار سياسي نزيه. وهل كانت تتوفر بالفعل قنوات كافية لكي تصل المعارف إلى كل الناس؟ إن تحديد المسؤوليات في شأن سيرورة انتشار الأفكار وتداولها وتدريسها وتوظيفها أمر معقّد للغاية؛ ولا يمكن التشدّد في أحكامنا، إذا كنا بصدد نظر علمي (وللمنتقد أن يكون صارماً إن كان يركّز على الميول الإديولُجية لدى هذه الجهة أو تلك ويكشف عن الرغبة في التسلّط من لدن المتزمتين). ثانيا هناك أمر أخلاقي يجعلنا نتحفظ من التسرع في إبداء الأحكام المنحازة: مثلا قد يكون هذا الفقيه قد عبّر عن موقف مناوئ ضد علم معيّن لأنه لم يعرفه أولا، أو لأن العلماء المطّلعين لم يبذلوا مجهودا لتقريب العلم إليه، أو أنه قد يكون خائفا على الاستقرار الإديولجي ...، رغم ذلك لا يجب علينا أن نحاسبه على هذه الأفكار، وبالتالي يجب أن يكون نظر المؤرخ في هذا الباب نزيها ولا يتسم بالانحياز إلى أن تستكمل الصورة بشكل واضح، وعند ذاك يمكن أن يقول إن موقف فلان ضعيف دون حرج. فأنت كناظر عليك أن تكون ذا نظرة نزيهة وموضوعية، ولا يمكن أن تأتي بأحكام إلا في آخر المطاف، وأن لا يكون موقفه شديد القسوة. لنعطي أمثلة معينة على ذلك: مثلا ابن قتيبة رغم ما يعرف عنه من سعة الأفق، وأنه كتب في الأيام، وفي الأخبار، وفي الأنواء ... الخ، له نصوص معروفة يقول فيها أن على الكاتب أن يكون ذا تكوين في الحساب والهندسة والمساحة ... الخ، ولكن في مكان آخر يقول "سأكتب في هذا الموضوع مكتفيا بما ورثناه من علوم العرب المسلمين ومتجاهلا ما أنتجه أولئك الكفار في الفلك وغيره ...". فهذا الخطاب ذو سياق، وأنت كمؤرخ عليك أن تدرس هذه الأمور لكي تبدي بعض الملاحظات مع وجوب ضرورة الانتظار، لأنه رغم وجود المئات من الأبحاث في هذا الباب، ما زال هناك مجال يجب أن يبحث خصوصا في ما يتعلق بالجوانب الأنتربولجية والسسيولجية لهذه الأفكار التي نحن بصدد الحديث عنها. وأيضا لدينا مثال آخر من جانب مختلف ويعتبر إشكالا، يقول: من الذي يجعل شخصا من أصل فارسي يدافع عن اللغة العربية أكثر مما يدافع عنها شخص من أصل عربي؟ وعلى هذا القول لابد من إدراك للعوامل النفسية، التي قد تصل إلى أن ينتج قوم ما شخصا يكره قومه، كما أن في التاريخ مسائل معقدة، وبالتالي لا يحق لنا الاستسلام للتعميمات غير المتريثة التي تغلب على الذهن تحت ضغط الظرفيات.

 

أجل، مسالة التعميمات من أخطر الأمراض المنهجية في تاريخ الأفكار عامة وتاريخ العلوم خاصة. لابد أن تكون أحكامنا نسبية، ما دامت مصادر المعرفة التاريخية بالعلوم وأعلامها أغلبها مفقود، والموجود منها أغلبه مخطوط، والمنشور منها أغلبه لا يخضع لشروط التحقيق العلمي الرصين. ومن رأيي أن دراسة مواقف الفقهاء من العلوم العقلية لا ينبغي أن نصدر بصددها حكما واحدا عاما مطردا، فلم يكن الرفض الراديكالي للعلوم سمة غالبة عليها، بدليل أن كثيرا من الفقهاء بما فيهم المالكية والحنابلة شاركوا في هذه العلوم قراءة وتلخيصا وشرحا وتأليفا – كما تشهد بذلك موسوعات التراجم على الأقل - رغم موقفهم المتشدد من الفلسفة اليونانية. إذن فالراجح أن ثمة تمييزات كثيرة بحسب موضوعات العلوم العقلية وتوجهات أصحابها المذهبية وخلفياتها الميتافيزيقية. وينبغي استحضار هذه التمييزات عند قراءة الموقف الفقهي من الفلسفة.

 

إن المواقف من العلوم العقلية تتوزع توزعا واسعا جدا، وتتدخل فيها حتى العوامل المزاجية للأفراد. فالمعتزلة مثلا الذين نعدّهم عقلانيين، نجد في مواجهتهم للفلاسفة أحيانا يصدرون أقوالا قاسية، رغم أنهم يحبون الفلسفة؛ لكن وهم يواجهون هذه الأفكار الفلسفية في حد ذاتها، فإن لديهم رغبة مسبقة في أن تتبلور وتنبثق أفكار فلسفية أخرى مغايرة تبتعد عن الإعجاب المفرط بالإغريق (دون أن نتحدّث هنا عن أولائك الذي رفضوا حتى مجرد الحوار كما أنهم رفضوا الاطلاع على هذه الأمور). لدينا مثال وإن كان متأخرا شيئاً ما: لمّا تقرؤون البيروني، هذا العالم الذي يعتبر من جهابذة العلوم، وهو يهاجم الفلسفة المشائية وأتباعها (أي مذهب الأرسطيين)؛ قد يخرج بعضنا بفكرة أن البيروني ضد الفلسفة. لكن مثل هذا القول غير صحيح أبدا، لأن هذا العالم الكبير من بين أشد المدافعين عن الفكر الفلسفي المنفتح. فعندما ينتقد أبو الريحان الآخرين المحافظين، يدافع عن الفلسفة، مما يجعلنا نقول أن البيروني يدافع عن الفكر الفلسفي ولا يستسيغ التمذهب الفلسفي المنغلق. والبيروني العالم الفيلسوف غير المقلّد ردّ على ابن قتيبة (في موقفه المشار إليه أعلاه)  بسخريةّ، إذ كان هذا الأخير زعم أنه في غير حاجة أن يهتمّ بالعلوم ذات الجذور التاريخية غير العربية الإسلامية.

 إذن المواقف من العلوم يجب أن ينظر إليها بهذا المثال – قد نجد حنفيا يقبل علم الفلك إجمالاً، لكنه يرفض بعض الجزئيات؛ وهذا يدخل في باب النقد العلمي. فأنت تدافع عن الرياضيات، ولا يعني أنك تقف بالضرورة تلميذا لأقليدس طول حياتك، لأنك وقفت إليه تلميذا وأنت تتعلم، وهذه مرحلة في التكوين، ولكن عندما يتسع أفقك قد تتجاوز أقليدس نفسه أو تشكّ في بعض تفاصيل البرهنة في نطاق دقيق؛ وهو أمر مقبول وعادي جدا في النظر العلمي. ولهذا نجد مثلا هذا السيل من الشكوك: شكوك على جالينس، شكوك على اَرسطو، شكوك على اقليدس، شكوك على بطلميوس ...الخ. فالذي أبدى شكوكاً على جالينس، وهو الطبيب الرازي (وف 313/925)، لا يعنى أنه اعترض على مجمل الإنجاز العلمي في الطب الجاليني، بل اعترض على جزئيات على ضوء تجريب وتحليل. والذي أبدى شكوكاً على بطلميوس، وهو ابن الهيثم (وف 432/1040)، ظلّ يطوّر بعض أركان البناء الفلكي البطلمي ويشذّب بعض مسائله ويرمّم تنسيقه ... والنقد من صميم العقلية العلمية، حيث يمكن الاعتراض على مفاهيم بدون عداء للذين بلوروها ...

 

الترجمة تأليف على نحو ما، وما أضيف لفعل الترجمة أفعال أخرى كالتلاخيص والشروح والتقييدات، كيف استفاد التراث اليوناني نفسه من هذه الأفعال العلمية؟

 

بالطبع يجب أن لا ننسى أمرا مهما جدا عادة ما يقفز عليه الكثيرون؛ مثلا عندما نجد الكندي أو الفارابي ينتقد اَرسطو، وعادة ما نكتب: "فقد قال أرسطو، إنما عارضه الفارابي في ذلك"، كأنّ بين الفترة التي عاش فيها اَرسطو والتي نشط فيها الفارابي لم تكن هناك فاعلية فكرية؛ والحال أنه بُعيد اَرسطو، وخلال قرون قبل الفارابي، برزت العشرات من التعليقات على ما أتى به اَرسطو نفسه، وفي كل الميادين (في الفلسفة الطبيعية والكسمولجيا، وفي المنطق والجدل ومنهج العلم ...). نفس الشيء بالنسبة للطب والفلك والرياضيات...إلخ. حيث علّق تيوفراسطُس وجالينُس وفيلُبونُس على جوانب مهمّة من فكر المعلّم الأوّل؛ فاطلع الفارابي على المتن الأرسطي بجانب الانتقادات على ذلك المتن، ورجّح رأياً على آخر استفادة من رؤى متعددة. ومعنى هذا أن ما ورثه المسلمون هي تقاليد نظرية للبحث، ولكنها أيضا شروح وتعليقات باللغة اليونانية أو القبطية أو السريانية، وبالتالي كانت هناك شروح وحواشي وانتقادات من قبل. مثال على ذلك ما قام به برُكلُس بتطوير نظريات افلاطن، ثم أيضا هناك ثيوفراسطُس الذي حاول أن يهذّب منطق أستاذه اَرسطو؛ كما أن هناك منطق الرواقيين المغاير، وإلى غير ذلك من الأمور في هذا الباب. أما في الفلك فقبيل مجيء بطلميوس صاحب المجسطي، كان هناك من يتحدث عن وجود تيارين داخل علم الفلك والكُسمولُجيا، تيار يطغى عليه الحساب وتيار يطغى عليه التعليل الكسمولُجي (وهي روح التيمات التي نجدها لاحقاً لدى ابن رشد).

إذن لما اطلع المسلمون على التراث السابق لم يكن اطلاعهم عليه باعتباره أنساقا مكتملة منتهية، بل اطلعوا عليه باعتباره أيضا شروحا وتعليقات وتتميمات، مما يدفعنا إلى القول أنه كان هناك تعدد في الرؤى من ذي قبل؛ فكان عمل المسلمين على صيغة ترجيح لرأي سابق أو ترجيح لرأي المنتقد أو محاولة تركيب بين الرؤى ... فالكندي مثلا انتقد نظرية الإبصار الأقليدية والبطلمية في جزئيات بسيطة، نجد أنه كانت هناك بعض الشذرات سابقة على الكندي، وأيضا نفس الأمر بالنسبة لابن الهيثم وهو يعلق على المجسطي. ومؤلف المجسطي نفسه، أي بطلميوس يقول أنه لم يوفَّق في إيجاد حلول مضبوطة لمسائل في انسجام حركة الأجرام حول مركز مفترض على مسافة من مركز الأرض.

وبالتالي فالمسلمون قد جددوا واجتهدوا، لكن لا يمكن أن ننسى أنه كانت هناك مقدمات ونظريات وشكوك واعتراضات سابقة عليهم عبّدت الطريق للتجديد. إذن فالتراث اليوناني نفسه (إضافة إلى تراث غير الإغريق) كان متعدد الرؤى ولم يكن جامدا ومنتظما في مذاهب منغلقة. وفي الفلسفة الطبيعية نفس الشيء؛ فمثلا في القرن السادس الميلادي، أي قبل الإسلام بقرن تقريباً، كان هناك نقاش بين أشخاص يدافع بعضهم عن تصورات اَرسطو ويطعن البعض الآخر فيها، وهو نقاش دار بين فلبونُس وسمبلكيُس في الإسكندرية، الأول كان ضد اَرسطو، حيث كان يدافع مثلا عن نظرية الخلق. ومن هنا نقول أنه كان هناك تعدد للرؤى قبل الإسلام، وأن ما قام به المسلمون في هذا الصدد هو تطوير هذا التعدد وإغناؤه، كما أضافوا إليه لاحقاً معارف عن طريق العمل الذاتي سواء بواسطة المبرهنات الرياضية أو في التجريب الذي اعتمدوا عليه في اكتشافاتهم العلمية، وهذا كله لم يكن إلا امتدادا واستمرارا للنظر العلمي العادي في كل الميادين.

 

هناك مسألة تتعلق بتحقيب تطور المعرفة العلمية في العالم الإسلامي، هل يمكن أن نتحدث عن مراحل في هذا التقليد العلمي تمتاز من حيث خصائصها الفكرية أو على الأقل طبيعة الأداء العلمي للجماعات العلمية في العالم الإسلامي ؟

 

مسألة التحقيب مشكلة عامة، وما يزيد في تعقيدها أن تطور الأفكار لا يكون دائما من حسَن إلى الأحسن؛ ثم إن هناك بعض الكتابات العلمية المتطورة جدا لا تجد طريقها للوصول إلى الآخرين في المدى القصير. وهناك مؤلفات وضعت خلال القرن الخامس الهجري أو السادس لم تنتشر ولم تُقرأ البتّة؛ ولم تُعرف إلا منذ حوالي ربع قرن. لنلتفت إلى كتاب المناظر الذي كان ذا وقع كبير في أوربا خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد، كم عدد المسلمين الذين قرأوا كتاب المناظر لابن الهيثم؟ وهل كان محتواه موضوعاً للتمحيص والنقاش حتى يُطوّر باسترسال؟ ...، مسألة التواصل العلمي ذات وقع كبير في نموّ الأفكار. إذا وقعت عثرة لإحدى حلقات التواصل أثرت على الإنتاجية العلمية بشكل خطير. إذا أردنا أن نقوم بتحقيب، فلا يمكن أن يكون إلا مؤقتاً، حسب ما نتوفر عليه من مؤلفات علمية، بل هو إشارة بالأصبع لمجموعة من الحقب لا أكثر؛ ثم إن العلوم نفسها لا تتطور بنفس الوتيرة، لأن النظر العلمي في كل ميدان لا يتخذ نفس السبل والشعاب، والحقل المبحوث ذو خصوصيات معينة: فنموّ علم البصريات يختلف عن نموّ علم الفلك بسبب صعوبات الرصد الفلكي، لأنك ترصد أجساما على مسافة بعيدة. في البحث البصري تقوم بتجارب تمكّنك في  ظرف خمس سنوات أن تبلور مفاهيم وتبني قوانين في انتشار الضوء وانعكاسه وانعطافه وتلوّنه ... في الفلك، كل رصد يحتاج إلى أجيال؛ لماذا ؟ ترصد القمر على مدى قرون لكي تفهم بعض الأمور تخص حركته وخسوفه ومسافته من الأرض والشمس الخ. إذن العلوم نفسها لا تتطور بنفس الوتيرة؛ وحتى الفرق ما بين الهندسة والحساب عند الإغريق، عرف الحساب مشاكل، مما جعل علماءهم في الأخير يفضلون الهندسة، لأن الحساب يطرح مشكلة الأعداد الصماء. إذن هناك خصوصية لكل علم. وعليه، فالتحقيب الذي يمكن أن نقبل به في البصريات قد يختلف عن التحقيب قي ميدان علمي آخر. ولكن يمكن أن نقول إن بعض الفترات مثلا عند أواخر القرن 4هـ/10م وأوائل 5هـ/11م، يمكن أن نعدّ هذه اللحظة لحظة القمم الشامخة في النظر العلمي، إجمالا في الطب مع الزهراوي وابن سينا، وفي البصريات مع القوهي وابن الهيثم، وفي الفلك مع ابن الهيثم والبيروني، وفي المنطق مع ابن سينا وتلاميذه، وفي بدايات منطق الجدل والمناظرة وآداب الحوار والبحث. نعم، لكل علم خصوصيات، إنما يمكن مثلا في البصريات أن نلاحظ ما يشبه الجمود بعد ابن الهيثم خلال قرنين ونصف، وكأن هذا العلم قد تجمّد تقريبا، إلى أن برز كمال الدين الفارسي (وف 710/1310) فألّف في المناظر قصد تشذيب بعض أفكار ابن الهيثم الخ. في حين أن الأمر يختلف في الفلك، حيث برزت قمم أخرى في مرصد مراغة خلال النصف الثاني من القرن الثالث عشر، مثل نصير الدين الطوسي والعُرضي والكاتبي وقطب الدين الشيرازي ...، إذن يمكن أن نقوم بتحقيب معيّن، لكن سيظل تحقيبا تقريبياً ومرنا ونسبيا. أيضا فإن التطور لا يكون دوما تراكميا؛ إذ قد تبرز فكرة ما نافذة عند عالم ما، ولكن لن تقبل من قبل الأجيال التي ستأتي بعده. لدينا نموذج في الفلك: أين هو نموذج فلك اَرسطرخس؟ تجاهله الناس وظل يُذكر ليصنف خارج العقلية العلمية ... إذن يجب أن نتذكر أن هذه الأمور ممكنة في أي علم، وهو ما يجعل أن علما ما قد يتراجع لحقب طويلة أو يتوقف أو يرحل إلى بيئة أخرى مغرية. ولذا من الصعب بيان ما يتميّز به القرن الحادي عشر عن القرن الذي بعده أو الذي قبله ...

ويمكن، بدلاً من تحقيب صارم، مقارنة فترات متباعدة في تطوّر الأفكار العلمية؛ كأن نقول إن القرن التاسع للميلاد يتميّز بكونه لحظة ترجمة واستيعاب للأفكار العلمية، بينما لا وجود لترجمة خلال القرن الثاني عشر مع استمرار في الخصوبة المفهومية في العلم. ثم نقول إن القرن الحادي عشر يتميّز بتحوّل علمي شامل، بينما يتميّز القرن الخامس عشر بجمود فكري يدبّ في كل مرافق الفاعلية العقلية، خصوصاً في الغرب الإسلامي. ويمكن أن نقارن بين المشرق والمغرب الإسلاميين من حيث الفكر العلمي والفلسفي خلال القرن السابع عشر ...

 

إذا أضفنا إلى كل تلك الأفعال المرتبطة بترجمة علوم الأوائل فعل الإبداع العلمي على المستويين النظري والعلمي، فإننا نجد أنفسنا مدعوين فعلا إلى مراجعة تصوراتنا عن النهضة العلمية في عصر الحداثة الكلاسيكية بالغرب. هل أنتم مع الفرضية القائلة بأنها نتيجة تراكم علمي طويل أسهمت فيه كل تلك الحضارات العلمية التي أشرنا إليها؟

 

يمكن القول إن هذه المسألة تختلف بحسب الميادين العلمية؛ فجلّ المؤرخين الأوربيين يتحدثون عن الثورة العلمية في أوربا خلال القرنين 16م و 17م؛ وقلّة منهم ترى أن التحوّل الفكري المرتبط بالعلم تحقق خلال القرن الرابع عشر. إنما التصوّرات تتطوّر في ضوء ما يُكتشف من كتابات خلال تلك القرون. لكن هذا لا يعني أنهم يزعمون غياب العلوم قبل هذا الوقت. بل كلهم يؤكدون على وجود علوم ذات ماض قبل ظهور الدين المسيحي، والكل يؤكّد على ازدهار علوم عدّة في أحضان الثقافات الإغريقية ما بين القرنين السادس قبل الميلاد والثاني بعد الميلاد، مع اختلاف في التركيز على تميّز هذا التقليد أو ذاك؛ وتوجد آراء مختلفة في تقدير مدى مساهمة الثقافات الأقدم تاريخياً ... ولنمض إلى النهضة: ما الذي حدث في اوربا قبل الثورة العلمية؟ كيف انفتح أفق الفكر الأوربي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر؟ كيف هضم العقل الأوربي تراث السابقين خلال القرن الرابع عشر؟ ما هي السمات المميّزة للقرن الخامس عشر في الفضاء الثقافي والفكري لأوربا؟

أولا : يصعب جداً أن نتبين بدقّة تامّة ما المقصود بالنهضة الأوربية؟ ومتى حدثت؟ فالدارس الإيطالي يحدّد النهضة تركيزاً على القرن الرابع عشر إلى أواخر القرن اللاحق؛ والدارس الإنجليزي يحدد النهضة بداية من منتصف القرن الخامس عشر إلى القرن اللاحق؛ ... لأن التحوّلات الحضارية لا تتحقق في كل المناطق في نفس الفترة؛ وانتقال الأفكار والتلاقح بين المعارف والخبرات يستغرقان زمناً.

هناك مجموعة من الكتابات تتحدث عن النهضة الأوروبية خلال من القرن 12م، لكن لماذا هذا القرن بالضبط؟ في هذا القرن لم يكن هناك أدنى تجديد علمي في اوربا، لكن ما حصل هو أن اوربا اتصلت بالكتابات العلمية والفلسفية باللغة العربية، وأقل من ذلك باللغة اليونانية، وأقل منها باللغة العبرية؛ وكانت بدأت حركة الترجمة منذ أواخر القرن العاشر أو أوائل اللاحق. وحصل ذلك في سياق تاريخي ازدهرت فيه التجارة وبناء المدن وبناء القناطر والموانئ. وخلال القرن الثاني عشر تزايد عدد المدارس والتلاميذ والمدرّسين والمترجمين من اللغات الثلاث، ثم اتسعت الأديرة والمدارس التي كانت منتشرة في أوربا وتغيّرت بسرعة خلال منتصف القرن؛ ونشأت ورشات للتكوين الحِرفي في الصناعات المختلفة. كما بدأ جدل بين تيارات فلسفية بجانب تنشيط الفكر القانوني، ذي المنبعيْن: الروماني والكنسي. وفعلاً، هي نهضة أُولى؛ وقد انتهى القرن الثاني عشر ببروز أُولى الجامعات في اوربا. وبالطبع استفادت أوربا من النماذج الإسلامية في إنشاء المدارس، كتلك التي كانت منتشرة في بغداد ودمشق ونيسابور، وفي جل المدن الإسلامية. وبذكر المدارس الإسلامية يمكننا القول إنها ظهرت على يد السلاجقة خلال الربع الثالث من القرن الخامس/الحادي عشر م، لأداء وظائف معينة: فقد بنيت لكي يدرس فيها علم الكلام الأشعري والفقه السنّي بالأساس؛ بمعنى أن تلك المدارس طغى عليها التمذهب، بحيث نجد مدرسة شافعية وأخرى حنفية وأخرى حنبلية وأخرى مالكية ...

لكن السياق الأوربي الذي أدى إلى ظهور الجامعات مختلف عن السياق الإسلامي. فقد ارتبط ظهورها بسياق الصراع الذي كان قائما آنذاك بين سلطة الكنيسة وسلطة الأمراء. وربما يتميّز ذلك السياق بتبادل الأدوار بين التفاوض والصراع بين السلطتين. هذا السياق أكسب الجامعة الشيء الكثير؛ حيث انتقل الصراع إلى الحرم الجامعي، وأصبح كل طرف يدافع عن توجهه الفكري. مثلا: تعمل الكنيسة على تقوية الإيمان الديني، لاستقطاب الناس إلى مواجهة الخصوم؛ بينما يشجّع اللائكيون ثقافة الحِرف والمعارف التطبيقية والجغرافيا والحساب ... بخلاف ذلك، ظلت المدارس في العالم الإسلامي على حالها من الالتزام بالمذهب الفقهي الذي تتبنّاه؛ وكان هناك صراع مرير بين أتباع المذاهب، ولكن جيلاً بعد جيل مالت الكفّة لصالح التمذهب المحافظ منذ نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر. مثلا: إذا نظرنا إلى أحوال المدارس عند نهاية القرن الخامس (الحادي عشر م)، سنلاحظ أن حوالي 38 بالمئة شافعية وحوالي 32 بالمئة حنفية وحوالي 20 بالمئة حنبلية وحوالي 10 بالمئة مالكية. أما الشيعة فلهم مراكز ومكتبات في فارس وخراسان والقاهرة؛ ولكن تغلّب الفكر السني (نسبياً) عليهم بتشجيع سياسي. لكن عند نهاية القرن الثامن (الرابع عشر م)، نجد عدد المدارس الحنبلية والمالكية قد غلب على عدد المدارس الأخرى . وهذا التغير في عدد المدارس وفي توجهها المذهبي يؤشر على تغير مجتمعي وسياسي وفقهي؛ وهو تغيّر يكرّس الجمود الفكري وتوقّف الخصوبة العلمية على المدى البعيد، وبداية من المناطق التي سادت فيها المذهبية السنّية المحافظة. بينما أدرك الأوربيون خلال فترات الحروب الصليبية أن عليهم امتلاك الآليات العلمية والمهنية، من أجل تقوية معتقدهم الديني في مواجهة أصحاب المعتقدات الأخرى. وسنضرب مثالا لذلك: قبل منتصف القرن 13م كان على سُدّة الحكم في صقلية حاكم اسمه" Frédéric II de Hohenstaufen فريدريك الثاني هوهنشتاوفن". هذا الحاكم شجع الترجمة من العربية إلى اللاتنية، كما بادر إلى بناء جامعة وكلية للطب، ولم يدخل بطريقة مباشرة في الحروب الصليبية واستعمل عوضا عن ذلك حوارا دبلوماسيا، حيث كان همُّه الأكبر هو تجميع المؤلفات العلمية وتشجيع الحركة العلمية عن طريق الاتصال المباشر. ومن الأشياء المشهورة عن هذا الحاكم تلك الرسالة التي بعث بها إلى الحكام المسلمين الأيوبيين والموحدين ...؛ وقد احتوت تلك الرسالة على مجموعة من الأسئلة في الفلسفة الطبيعية والبصريات والهيئة، التي طلب أن توزع على العلماء المسلمين لكي يجيبوا عنها. وقد أجاب عنها مجموعة من العلماء، نذكر منهم ابن سبعين في كتابه المعروف بالمسائل الصقلية، كما أجاب عنها أيضا أحد فقهاء المالكية هو القرافي المصري في كتابه الاستبصار، والعالِم كمال الدين بن يونس وآخرين. إذن فقد كان هذا الحاكم يجمع المعلومات ويأتي بها إلى الشمال، وهذه رحلة العلوم من الجنوب إلى الشمال. والمثال الثاني هو حاكم أتى بعد "فرديريك الثاني" بعشرين سنة، وهو "ألفونسو العاشر" في إسبانيا، والذي بنى مدرسة تدرس فيها العلوم، ومن بين العلماء الذين درسوا فيها عالم ذكره "ابن الخطيب" وهو "الرقوطي"، وقد قيل أنه كان يدرّس الطب في نفس القسم باللغة العربية والعبرية والقشتالية، أي يدرس المسلمين والمسيحيين واليهود. مَن المستفيد من هذا التعدد في التدريس؟ بدون شك، هي ثقافة المشرف على المدرسة، وهي ثقافة الفونسو العاشر. إذن هي خطوة أخرى خطتها اوربا نحو استيعاب العلوم ودمجها تلقائيا في تقاليدها وثقافاتها المحلية. ومع مرور الأيام، برز من بين رجال الدين مَن يشجّع الفكر العلمي بالنظر إلى ما يقدّمه من آليات في التحليل والفهم والإنشاء في المرافق الاقتصادية والمدنية. وفي هذا السياق من التنافس بين مجموعات ثقافية محيطة بالبحر المتوسط من أجل تملّك المعرفة والخبرة، كان الصراع من أجل احتلال الموانئ التجارية شمالاً وجنوباً والسيطرة على طرق التجارة. وفي الواقع لم تكن أغلبية المسلمين تنافس من أجل تملّك العلوم آنذاك، بل كان الفقهاء المتزمتون يدعون إلى التخلّص منها.

وبالرجوع إلى السياق الإسلامي نطرح التساؤل التالي: ماذا كان يفعل المسلمون في تلك الفترة؟ يمكننا أن نجيب بأنهم كانوا يتناقشون حول شرعية العلوم 'العقلية'، ويسمّيها بعضهم بالعلوم الأجنبية، رغم أن العلماء المسلمين (القوهي وابن الهيثم والبيروني والخيّام ... ) تجاوزوا في عدة مجالات اَرسطو و اقليدس و اَرخميدس بدليل النصوص التي بين أيدينا والتي تشهد على ذلك. أيجوز بعد إنجازات هؤلاء الأفذاذ أن تسمى علوماً أجنبية؟

وفي هذا السياق التاريخي، الذي كان فيه الأوربيون يطلعون على العلوم و يراكمونها ويناقشون محتوياتها، خصوصاً خلال القرن الرابع عشر، كان المسلمون يتناقشون ويتجادلون في أمر مشروعيتها، وكان التيار الغالب متجها نحو التخلص من هذه العلوم 'العقلية'، باعتبارها غير نافعة.

لدينا أمثلة أخرى للحركة العلمية في أوربا، ففي النصف الثاني من القرن 7ه /13م كان هناك تجمع ديني في مكان ما في "بولونيا"، ضم رجال دين يشجعون على الإقبال على العلوم ويركزون على البصريات، وقد شكّل علم المناظر نموذج العلمية من منتصف القرن الثالث عشر إلى كوبرنك وكاليلي وكبلر. كما كان هذا العلم دافعة أساسية في الإبداع في فن التصوير عند نهاية القرن الرابع عشر والقرن اللاحق.

وعند أواخر القرن 13م وأوائل القرن 14م، بدأت حركة التجديد العلمي لدى الأوربيين من خلال مناقشات حول الاستدلال والبرهان والإدراك والجدل ودور التجريب والعقل في تكوّن المعارف الصلبة، في سياق تجديدي عارم؛ أولا: من حيث الكم، فعدد الجامعات ظل يزداد بدون توقف، وجل تلك الجامعات بدأت تفتح أبوابها لجميع العلوم، مما انعكس على التنافس بين تلك العلوم ودفع بها خطوات إلى الأمام، كما شجع  العلماء على الانتقال بين الجامعات. إذن يمكن القول أن النهضة العلمية في اوربا حصلت بشكل متدرج، بالرغم من مقاومة أقلية من رجال الدين المتزمتين.

 لدينا مثال آخر: لما التقى الكاردينال "بيساريون" شخصا بُعيد منتصف القرن الخامس عشر، سأله: كيف الأحوال؟ فرد عليه: أنا مهتم بإصلاح أحوال الأرض، أي إصلاح المشاكل السياسية، بينما صديقي "رِجيومُنتانُس" – وهو عالم فلك- مهتم بإصلاح أحوال السماء، أي البحث عن بديل للفلك البطلمي. نلاحظ في هذا المثال اندماجا بين المهام المدنية والسياسية والعلمية والدينية لدى الفاعلين. ونذكر مثالا آخر على هذا الاندماج: قام البابا سنة 1508م باستدعاء الفنان "رفائيل" وطلب منه أن يملأ جدران الحجرة التي توقع فيها المعاهدات بالفلسفة. نلاحظ في هذه الواقعة أمرا خطيرا، وهو أن السلطة الدينية في ذلك الوقت تطلب من شاب فنان إدخال الفلسفة إلى الفاتكان. آنذاك كانت الفلسفة في مجتمعاتنا الإسلامية على الهامش.

لكن من المؤكد أن الأخبار كانت تصل وتتداول في المجال الإسلامي عن ازدهار العلوم والإقبال عليها في الضفة الأخرى. ويظهر هذا في العبارة الشهيرة والقصيرة لابن خلدون " أما في روما وشمالها فهناك إقبال على هذه العلوم...".

يمكننا القول كخلاصة، أن هناك تنافسا في اوربا على جميع المستويات، وقد استفادت منه كثيرا؛ لذلك لا نستغرب أن نجد النهضة الأوربية تستفيد من ثقافات أخرى، وهو ما نلاحظه في مناقشات العلماء الأوربيين خلال النصف الأول من القرن 14م، حيث نلمس لغة الفارابي وابن سينا وابن الهيثم، في الوقت الذي كانت فيه لغتهم عند المسلمين قد اندثرت تقريبا. إذن ازدهرت العلوم في إطار مجتمعي منفتح وفي سياق نموّ تجاري مواز لنموّ للمدن. ولكن هناك شيئاً آخر لابد من التأكيد عليه، وهو الدور الذي لعبته الفنون مثل التصوير والنحت والموسيقى. مثلا: نجد في أوربا خلال تلك الفترة أن بعض علماء الدين، كانوا في نفس الوقت متكلمين، وعلماء رياضيات، وموسيقيين لهم أشعار وألحان ويدرسون الموسيقى؛ بالإضافة إلى الرسم الذي كانت له مساهمة في تعريف الناس بتاريخهم، لأن هذه الرسوم كانت تجسد شخصيات ورموز تاريخية، وقد وعى الأوربيون هذا الدور الخطير للفنون، فاستعملوها في استمالة العامة. فمثلا المصلح الديني "مارتن لوثر" كان لا يرى فائدة في محاورة الجمهور، لأن الجمهور لا يمكن محاورته بالعقل، بل يجب محاورتهم بالصور لأنها تدغدغ الحس والذاكرة. بينما ضعفت مكانة الموسيقى في المجتمعات الإسلامية، لأن أغلب الفقهاء كانوا ضدها؛ أما التصوير والنحت فوجودهما على هامش الفضاء العمومي. إذن لعبت الفنون دورا خطيرا في أوربا خلال النهضة الحضارية الشاملة منذ السنوات الأخيرة من القرن 14م إلى أوائل القرن 16م. بينما بقي الذوق العامّ ملتصقاً بالحس العادي وتابعاً لضرورات الحياة اليومية لدى المسلمين؛ وكان المتنفّس هو الممارسة الصوفية، وهي وإن وفّرت فضاءً تواصلياً يستدعي مظاهر الجمال، لكن تفعل بكيفية كسولة لا تدعو إلى إنجاز الأشكال الجمالية عملياً، أي في التصوير والموسيقى ... وقد وقف الفقهاء متربصين ب"التجاوزات" التي قد يُقبل عليها أهلُ الذوق.

 

المحور الثاني: عن فلسفة العلوم الإسلامية وأسسها الإبستمولجية.

 

نريد أن نوضح هدفنا أولا: إن ثمة نظرة هيمنت على مؤرخي العلوم الإسلامية منذ بدايات القرن الماضي، وهي الرؤية الافتخارية التي تستعرض انجازات المسلمين في الرياضيات والفلك والفيزياء وغيرها، وتتغنى بتلك الأمجاد التي درست، وتبين تأثيرها في العلوم الغربية الحديثة. نحن هدفنا أن نتوقف عند هذه الرؤية التي نعتبرها قد استنفذت أغراضها من زمن، وقد آن الأوان لنبحث في مستوى أعمق، أعني مستوى العقلانية العلمية التي أنتجت تلك المعرفة العلمية. ثم بعد ذلك من حق المتلقي لأبحاثنا أن يتعامل مع هذه العقلانية كما يشاء. إنه مستوى من النظر يرتبط بفلسفة العلوم عامة، وبالنظر الإبستمولجي خاصة. نود منكم أستاذنا الكريم أولا أن تحددوا لقرائكم إمكانية هذه القراءة الإبستمولجية وحدودها؟ وما المقصود بفلسفة العلوم الإسلامية إذا جازت العبارة؟

 

يمكن أن نجد مسألة الاهتمام بتاريخ العلوم وبتطور الأفكار العلمية لدى المسلمين حتى قبل هذه الفترة، مثل "ابن خلدون" و "الأكفاني" و"حاجي خليفة"، ويمكن أن نلمس بعض التفسيرات وبعض الشذرات هنا وهناك، أو نجد قولا عند بعضهم بأن علما ما قد تطور وآخر لم يتطور. لكن مع بدايات القرن العشرين بدأت الدراسات حول التراث العلمي القديم سواء من لدن الأوربيين أو المسلمين، وقد اختلفت التحليلات والتفسيرات، وذلك بحسب الأغراض وبحسب ما يتوفر من كتابات ومخطوطات. لكن يجب الحذر من القول أن بعض الكتابات الغربية التي تعتز بدور الاتصال المباشر باليونان وبالفكر اليوناني أنها تتعمد ذلك أو شيء من هذا القبيل؛ فإلى منتصف القرن العشرين لم يكن يعرف الشيء الكثير حول المخطوطات الفلكية المكتوبة باللغة العربية؛ كما لم تكن بعض الكتابات العلمية خلال العصور الوسطى الأوربية معروفة. وكذلك قد يحصل الأمر في الجهة الأخرى، فالباحثون المسلمون يحاولون إعطاء نظرة مغايرة وعكسية محاولين تضخيم كل ما يتعلق بتراث أجدادهم، أو ما يعدونه من تراث أجدادهم. لكن الأمر مختلف في البحث الأكاديمي الرصين، فهنا يجب أن نزن عباراتنا لكي نتفادى المغالاة في أي اتجاه كان. حتى ولو توفرت لدينا أدلة كثيرة تزكي رأيا من الآراء فإنه يجب الاحتياط من الأحكام القاطعة، ونفترض دائما أنه قد تكون هناك أدلة أو دليل واحد لخصوم رأيك قد تفند كل ما ذهبت إليه.

فإذن يجب دائما أن نترك حيزا أو هامشا للشك (البنّاء)، وأيضا نحاول التنبؤ بما قد يقدم لنا من اعتراضات وانتقادات، ومن الواجب علينا أن نكون لبقين في الحوار وفي الردود والانتقادات. كما أنه لا يمكن لعالم ما أن يدعي أن ما وصل إليه هو منتهى الحقيقة، لأننا نتعلم مما تراكم من أخطاء العلماء والباحثين السابقين.

الأمر الآخر الذي أشار إليه السؤال هو الحديث عن الذين يضخمون من الأمور ويفتخرون بتراثهم العلمي، فيمكن القول أن  ذلك يجوز لهم في حالة ما إذا كانت لهم مرامي تربوية، تتغيى حث الناس على الاهتمام بالعلوم والإقبال عليها، لكن شريطة أن لا يصل بهم ذلك إلى الحد الذي يجعل الناس يكرهون مساهمة التقاليد الثقافية للحضارات الأخرى. فالجوانب التربوية مستحسنة، لكن لا يجب أن تشجع على الطعن في الثقافات الأخرى. وحتى مسألة الانتماء إلى تراث ما فإنها تبدو قضية نسبية إذا دخلنا في تفاصيلها؛ فبأي حق يمكن لشخص ما أن يجزم بأن هذا العالِم من تراثه والعالِم الآخر من غير تراثه؟ أوَلا يحقّ لشخص من ثقافة أخرى أن يعتبر أحد العلماء العرب من تراثه؟ هذا إذا اعتبرنا أن المعرفة تراث إنساني، ومنتوج ساهمت فيه البشرية بالقسط الذي توفر لها، وأن المعرفة العلمية تنتقل وتسافر عبر الثقافات. هناك عوامل تاريخية تجعل ثقافة ما تزدهر، وقد يأتي زمان تتراجع وتصعد ثقافة أخرى. إذن قضية الانتماء الثقافي للفاعلية العلمية يجب أن توضع تحت المساءلة، ويجب أن تؤخذ باقتصاد حتى لا يتم تضخيمها كثيرا. هذا من حيث الدرس الأخلاقي الذي يمكن أن نستفيده من تطور المعرفة.

يبدو من هذه الزاوية التي نظرنا من خلالها أنه يحق لشخص ما أن يفتخر بإضافات أجداده، لكن في حدود معقولة، مع تجنب تجريم الناس؛ فمثلا لنفرض أن المستشرق "إرنست رينان" أو "كارا دوفو"  أو أي شخص آخر، قال أن "نصير الدين الطوسي" لم يكن يفهم شيئا في علم الفلك، فلا يجب أن تكون مسألة محرجة لنا إلى الحد الذي ننتفض ونثور ضدها، فهذا القول يمكن أن نجده حتى لدى العلماء المسلمين، أي من نفس الثقافة؛ وهنا أضرب مثالا بقول "ابن باجة " في البصريات عند "ابن الهيثم"، حيث قال "وعلمه ضعيف ..." أو شيء من هذا القبيل. إذن، فمثل تلك الأحكام كانت موجودة حتى لدى العلماء من نفس الثقافة. لكن ما يهمنا نحن هو أن ننظر إلى الأمور نظرة الناظر الذي يريد أن يفهم عقلياً.

 

وما هي أبرز الأسس الفلسفية التي وجهت نظرة العلماء المسلمين إلى العلوم ؟ ما هي خصائص نظرية العلم الإسلامية؟

 

يمكن القول إن الأسس الفلسفية التي وجهت نظرة العلماء المسلمين تختلف حسب الأفراد، فمثلا إذا نظرنا في بعض كتابات الفيلسوف الكندي وابن الهيثم، نجد كلاما راقيا جدا في الأخلاقيات العلمية، من بينها الحرص على الموضوعية والحرص على احترام مجهودات الآخرين حتى ولو كانوا ينتمون إلى ثقافة غريبة عنهما. إذن هناك حرص على الاعتراف بمجهود العلماء السابقين. وفي هذا السياق تحضرني مقولة "لابن الهيثم" جاءت في سياق رده على" بطلميوس"، فعندما ينتقده ويناقشه يتحدث عنه بكل تقدير، فيقول (ما معناه) "بطلميوس الفاضل قد أخطأ في هذا الأمر ونحن نأتي بالبديل التالي..." إذن ينتقده ويبرز جوانب النقص في أدلته، ثم يأتي بالبديل بدون أن يحط من شأنه. ونذكر مثالا آخر على هذا الرقي في التفاعل مع الآخرين، وهو قول الكندي (بعبارة تقريبية): "يجب أن نحترم الآخرين حتى في أخطائهم، لأن أخطاءهم هي التي سمحت لنا أن ننظر فيها ونأتي بما هو أحسن منها".

من هذه الأمثلة السابقة نستنتج أن هناك أخلاقيات علمية ونظرة فلسفية كانت توجّه عمل العلماء المسلمين، وهو ما يتضح من منهجهم التربوي، فقد كان التكوين الفلسفي يعتبر من قبيل استكمال الإنسان لإنسانيته. ونجد هذه النظرة تتكرر في الكثير من الكتابات، عند "ابن سينا" و"الكندي" و"الفارابي" وآخرين، كما أنهم يعتبرون الإنسان محكوما بطموح الرقي في سلّم الحكمة، وهذا الرقي يتطلب الاطلاع على العلوم والآداب والفنون والفلسفة، هذه الأخيرة كانت تعتبر بمثابة القنطرة الواصلة بين الميادين الفكرية. بالإضافة إلى أن الفلاسفة المسلمين كانوا يدافعون عن تصور إنساني للمعرفة، وكانوا يعتبرون النظر والحوار كقيمتين في حد ذاتهما، وفي نفس الوقت لم يكن النقد غائبا في كتاباتهم. ففي النظر العلمي لا توجد فوارق كبرى بين عالِم إغريقي أو فارسي ...


كيف يمكن النظر إلى العقلانية العلمية الإسلامية؟ هل هي عقلانية صورية كما يرى البعض معللا رأيه باستعارة المنطق الأرسطي؟ أم هي عقلانية تداولية كما يرى آخرون ممن نظروا إلى تأثير المنهجية الشرعية في التفكير العلمي الإسلامي؟ وهل هي تجريبية استقرائية كما يقول البعض، أم أنها عقلية استنباطية كما يظن آخرون؟ أم أننا من الصعب أن نؤطرها في هذه التصنيفات الميتودولجية؟

 

أتيتَ الآن بأربع تصنيفات، ويمكن أن تأتي بثلاث أو خمس حسب الحدود التي تريد أن ترسمها بين هذه الأنماط، ويمكن أن تجد لكل واحد من هذه التصنيفات نماذج لدى الآخرين، كأن تضع ابن الهيثم مع الاستقراء، وابن سينا في الاستنباط... لكن هذه التصنيفات في حد ذاتها تبقى تقريبية وقد تتغير مع حضور بعض النصوص وغياب أخرى، ويمكن في المنطق مثلا أن نعدّ الفارابي مع الصوريين، لكن الفارابي لا يبقى على صوريته عندما يتحدث عن تفعيل الجدل وتقريبه إلى السياق الإسلامي وإلى الجمهور، فهو صوري عندما يتطرق لمجال معين، ولكنه يميل إلى اعتبارات تداولية عندما يرى أن هذه الأدوات المنطقية يجب أن تنخرط وتوظف في أصول الفقه وعلم الكلام وغيرهما ... أو العكس، يمكن مثلا أن نرى متكلما يدافع عن الطابع التداولي للاستدلال في الممارسة الفقهية أو النحوية، لكن يمكن أن نجد بعض الملامح الصورية عند نفس المتكلم عندما يتحدث عن النحو مثلا، ونذكر على سبيل المثال: الزجاجي، الذي يبدو في أحد كتبه قريبا من أرسطو رغم أنه من النحاة يؤكد على التمثيل. وحتى ابن سينا لم يظل مشائيا بنفس الانخراط طوال حياته، لأنه لو كان كذلك لما تحدث عن التصوف، لذا يجب أن نحتاط من مثل هذه الأمور. فابن الهيثم مثلا يبدو في بعض مسائل البصريات قريبا من اَرسطو، وفي أخرى قريبا من اقليدس رغم أنهما تياران متنافسان في البصريات، لماذا؟ لأنه أغنى التيارين معا وتجاوزهما؛ ونفس الشيء بالنسبة للبيروني، فهو معتز بالفلسفة باعتبارها طموحاً نقدياً، ومستمر في الأبحاث الفلكية، لكنه يطعن في بعض المبادئ الفلكية القديمة وفي التمذهب المشائي. المهمّ أن كل ملامح الفاعلية العقلية لدى المسلمين امتداد لما كان متواطئاً لدى العلماء الفلاسفة السابقين، مع توسّع في بعض الجزئيات (ولا يجب أن نغفل أن الكثير من الكتابات اليونانية القديمة قد ضاع).


نعلم أن من العلماء من جمع بين الطريقتين التحليلية والتركيبية في الممارسة العلمية، كما فعل ابن منعم في فقه الحساب، ما أهمية هذا الجمع من الناحية المنهجية؟

 

يجب أن نذكر بأن الكتابات في هذا الباب نادرة جدا، ولا يوجد تفصيل لدور كل من التحليل والتركيب في مقدمة كتاب ابن منعم الذي يقول: "سأبرهن تارة بالتحليل، وتارة بالتركيب، وتارة بهما معا". لكن الذي كتب في التحليل والتركيب هو ابن الهيثم في رسالة له تحمل نفس العنوان. أما عن الكتابات قبل ابن الهيثم في هذا الموضوع فنجد إشارات أعتقد أنها للرياضي بابُس الإسكندري (وف ح 350 م) في فقرة قصيرة، بالإضافة إلى رسالة لإبراهيم ابن سنان وإشارات عابرة لدى آخرين.

في التحليل إجمالا ننطلق من النتيجة التي نفترض أنها نتيجة عملية برهنة ما، فنبحث عن المقدمات التي تقوم عليها؛ ولكن بحثنا عن المقدمات التي يُفترض أنها تدعم النتيجة قد يؤدي إلى تغيير بسيط في النتيجة نفسها يفرضه ترتيب المقدمات. أما في التركيب فنقوم بالعكس، ننطلق من المقدمات (المنطلقات الأولية من مسلمات وأوّليات ومبرهنات سابقة) التي تقودنا إلى النتائج المترتبة عنها على سبيل اللزوم الضروري. والآلية الأساسية في التحليل (خصوصا في الرياضيات القديمة) هي برهان الخلف، أي أننا عندما نريد البرهنة على عبارة رياضية ما فإننا ننطلق من نفيها، وندرج نفي العبارة ضمن ترتيب من الأوليات والمبرهنات السابقة، ونواصل عملية الاشتقاق؛ فإذا وصلنا إلى عبارة تتناقض مع مبرهنة سابقة أو أوّلية أساسية مصرّح بها في نفس عملية البرهنة، نقول إن هذا محال، مما يعني أن افتراضنا بكذا وكذا باطل، إذن فالأصل (المنطلَق قبل إدخال النفي عليه) صحيح. أما إذا لم نصل إلى محال، أي إلى تناقض، فافتراضنا قد يعوّل عليه، لكن هذا لا يعني بأنه صحيح؛ حيث تكون هناك حالات كثيرة يتوجّب النظر فيها. إذن، فالسمة الغالبة في التحليل هي برهان الخلف، لكن ليس كل تحليل برهانا بالخلف، إنما كل برهان بالخلف فهو تحليل (تحليل أوسع)، لأننا في التحليل قد نبحث عن المقدمات دون افتراض نقيض المبحوث عنه. وبرهان الخلف يدمج مبرهنات سابقة عن طريق ربطها بواسطة التركيب ... لأن البرهنة سلسلة من العمليات طويلة.

والدرس الإبستمولجي المهم في هذا الأمر، هو أن الفكر ينطلق دائما من فرضيات ولا ينطلق من أحكام مفردة؛ لأننا نفترض أمورا فنبحث عن مبرراتها أي عن ركائزها؛ ومن هنا نفهم كيف أن لا نظر علمي إلا وهو منخرط في إبدال فكري معين؛ وما يقال من الانطلاق من ملاحظات مفردة غير ممكن عملياً، لأن الملاحظة بالذات تفيد بحسب ما يمليه عليها الإبدال السائد. إذن فالمنطلقات الموجّهة للنظر العلمي مبادئ وافتراضات، بعضها مصرح به والبعض الآخر يظلّ مضمرا. وليس لنا أن نستغرب من كون جل صرح البناء الرياضي في الماضي من قبيل التحليل؛ لكن، هل بقي الأمر على حاله اليوم؟ إن التحول العميق والكبير الذي حصل في العلوم منذ أوائل القرن العشرين، جعلنا اليوم قادرين على بناء أنساق استنباطية صورية، وذلك بفعل اتساع اللغة الرمزية وتشعبها، إذ يمكن لأي رياضي أن يبني لغة جديدة تماما وينشئ بها صرحاً معمارياً من المبرهنات. ومن هنا يمكن أن نقول إن الفكر العلمي أصبح اليوم يميل إلى التركيب بحكم تعدد الأنساق وكذا تعدد مرافق اللغة المتاحة. ولكن، حتى عندما نقول إن الفكر العلمي كان يغلب عليه التحليل في الماضي، فإننا نوظف في هذا الأخير عبارات نتوصل إليها بالتركيب، لأننا لا يجب أن نتصور البرهان على طريقة البرهان الأرسطي: مقدمتان ونتيجة، فالغالب وجود تسلسل يحتوي عشرات العمليات. إذن فالتحليل والتركيب آليتان مندمجتان. وكل شيء وصلتَ إليه بالتحليل، عليك أن تعيد بناءه بالتركيب، لماذا؟ لأن التركيب بمثابة إعادة سبك، وفي نفس الوقت بمثابة عملية تحقق (une vérification)؛ لذا يجب النظر إلى الآليتين (التحليل والتركيب) باعتبارهما متصلتين مندمجتين غير منفصلين.

 

لديكم اهتمام خاص ببناء المفاهيم العلمية، وأنجزتم دراسات علمية دقيقة عن بعض المفاهيم في التراث العلمي الإسلامي، هل لكم أن تبينوا لنا بعض الأبعاد الفلسفية والمنهجية للمفاهيم العلمية المستعملة في العلوم الدقيقة؟

 

لا يليق أن أدعي أني أنحو طريقاً متميّزاً في أبحاثي الإبستمولجية والتاريخ-علمية؛ وفي كل الأحوال، فالتقييم للجيل الآتي بعد عقد أو عقدين. لكني أحاول أن أستفيد من أبحاث الآخرين، وهي مختلفة وفي حوار ونقد وإعادة تكوين بدون توقّف، وأحاول أن أتبنّى الأعقل والأرجح والأفضل (من معيارية عقلية). وفي مقارنة رؤى الناظرين، أحاول العودة إلى النصوص الأصلية، قديمة أو للباحثين الحاليين، كي أبلور فهماً موضوعياً قدر الإمكان. توجد عوائق عديدة، من قبيل الانتماء القومي والعقيدي والإديولجي للباحث، وليس من السهل خطّ طريق سديد سليم. وسواء في أبحاثي في مجال العلوم في سياق الثقافات الإسلامية أو في ملابسات النهضة الأوربية، أحرص على تبنّي تصور بنائي دينامي يبتعد قدر الإمكان عن الالتزامات المذهبية التي تتسرب إلى التحليل بالرغم من الحرص.

في المدّة الأخيرة، في مجال التاريخ، كتبت عن دور البصريات في النهضة الأوربية، وعن مفهوم الاعتبار ومفهوم التمييز الهيثميين، مبيّناً الدواعي البحثية والنظرية التي دفعت بابن الهيثم إلى نحتهما كمفهومين مثمرين في بيان المنهج الهيثمي وما يميّز المفهومين عن المفاهيم السائدة لدى السابقين. فلم يستعمل أحدٌ المفهومين بنفس الكثافة وبنفس الحمولة الدلالية وبنفس الفعالية الإجرائية كما فعل ابن الهيثم في استكشافاته الدقيقة.

نجد لدى العلماء الذين عاشوا في أرض الإسلام نحتا لمفاهيم جديدة أو استعمالاً جديداً لمفردات قديمة، لكن بعد اتصالهم بالنظر العلمي المنجز من لدن السابقين؛ وأحاول أن أبرز إن كانت لتلك المفاهيم خصوصية أو أن أربطها بالتقاليد الفكرية المختلفة إن كان هناك ارتباط فكري معين.

ولكي يكون القول في تاريخ العلوم متقدّماً - من زاوية العقلية العلمية – يجب أن يستفيد من البحث في تاريخ الفن وتاريخ القانون وتاريخ التقنيات، ثم من الإبستمولُجيا وتاريخ المنطق. فكل بحث في ميدان معيّن يعضّد البحث في الميدان المجاور.

 

المحور الثالث: عن الدرس الإبستمولجي الجامعي والنظر في التراث العلمي الإسلامي

 

إذا نظرنا إلى الدرس الإبستمولجي في سياق التعليم الجامعي اليوم بالمغرب، هل يمكن اعتبار الرصيد الذي يحصله طالب الفلسفة في هذا الدرس كافيا ليمكنه من تقديم رؤية إبستمولجية مقبولة للتراث العلمي الإسلامي؟

 

لا يمكن أن يخلو الحديث عن الجامعة المغربية من عبارات الأسف. فلا يوجد تصور واضح عن الجامعة لدى بعض منا، أي عمّا يجب أن تكون عليه الأمور من مسؤولية إزاء 'العقل' وإزاء أنبل مؤسسة؛ ولم يقتنع الفاعلون فيها بضرورة وجدوى التقيّد بالأخلاقيات الأكادِمية في التدريس والبحث والكتابة؛ ولهذا ظلت الجامعة عرضة للتدخّل الإداري من خارجها، واتخذت المقاومة الذاتية لباساً إديولجياً باستمرار؛ فلم تتبلور ضمنها آليات لتطوّر جامعي يستفيد من تراث مؤسسة الجامعة في الفضاءات المجاورة.

ومنذ حوالي عقد من الزمن، أو أكثر قليلاً، استفحلت الأمور في الجامعة المغربية: نتيجة إصلاح غير واضح المعالم وفي غياب شروط مناسبة، ونتيجة المغادرة الطوعية الغامضة الدواعي والنتائج، ونتيجة محتويات ملفّ الترقية في سلم الأستاذية، ونتيجة وصول طلاب إلى الجامعة بمستوى ضعيف جداً (وهذا ناتج عن تدنّي مستوى التعليم في الأطوار ما قبل الجامعة). فتفشّت لدى بعض المدرّسين في كل الأسلاك عادات الكسل والانتهازية والادّعاء ... وحتى النصب والاحتيال والسرقة ...

أما الدرس الإبستمولجي فوضعه يدعو إلى أسف أكثر؛ إذ كان من اللازم أن يتجند المهتم بهذا الميدان من أجل الاستفادة من التقاليد الإبستمولجية المتعددة؛ وكان يجب أن يطلع على التصورات الابستمولجية لميرسون وباشلار وكونزيت وبياجي، وبوبر ومدرسته والوضعانيين وتلاميذهم ولورِنس وتولمن وهانسن وكون ... وأن تدمج اجتهادات هذه التيارات الإبستمولجية من أجل بلورة تصورات ناضجة لكي يكون كلامنا مفيداً ومثمراً ومخصّباً، ليس لأجل أن نكرر – للأسف- يقول فلان ويقول فلان (نفسه) ... فهذا الكلام ليس بإبستمولجي، لأننا يجب أن نفهم أولا شروط تكوّن المفاهيم وأن نهذّبها في ضوء البحث التاريخي والمقارنة المفهومية. وكثير ممّا كُتب عندنا في الإبستمولجيا يمكن بكل بساطة أن يوضع جانباً لأنه لا يفيد ولأنه أخذ من كتابات من مستوى سطحي، وأحياناً بدون إشارة إلى المصادر ... وهناك أخطاء علمية ارتكبت، ولم يعمل مرتكبوها على تصحيحها رغم التنبيه على ذلك !!! إذن كان يجب أن نستوعب مختلف التقاليد الإبستمولجية، لا أن نركّز على مؤلفيْن أو ثلاثة، وكان يجب أن ننفتح على البحث في الميادين المجاورة، مثل تاريخ العلوم وتاريخ الموسيقى وتاريخ الفن وتاريخ القانون ...؛ لماذا؟ لأن الخطاب الإبستمولجي يمكن أن يفيد الباحث في التاريخ، وفي الجغرافيا، وفي اللسانيات، وحتى في النقد الأدبي، وكذا الباحث في ما يسمى بالعلوم الحقة... يجب أولا استيعاب المسائل الإبستمولجية، ولا يمكن التفكير فعلاً إبستمولجياً من دون الاطلاع على تاريخ العلوم والمنطق.

وحسب التصوّر الذي أتبنّاه، فإن كل خطاب إبستمولجي لا ينظر في تاريخ الأفكار العلمية يظل كلاما فارغا. إذن، علينا أن نطلع على المدارس الإبستمولجية وأن تكون عينُنا على تاريخ العلوم وعلى المنطق. ونتيجة لهذه الاستهانة بالتكوين الإبستمولجي، برزت عند بعض منا كتابات تتحدث عن البرهان، بدون تدقيق لما يقصد أصحابُها بمفردة "البرهان"؛ إلى درجة أن بعضاً منا يجعل من التمسك بالبرهان معركة إديولجية، دون تبيّن للصيغ المتنوعة للآليات البرهانية. وعند هذا البعض أن ما كان برهاناً فهو عقلاني وما هو غير برهاني فهو لاعقلاني ... ولا وجود لفهم وثيق للبرهان ولا لأمثلة عن البرهان، كما لا وجود لتحديد لمدلول العقلانية واللاعقلانية. ومن هذا المنطلق، يزعم بعضنا بطريقة اختزالية مبهمة أن الخطاب الفلسفي الرشدي برهاني عقلاني، والخطاب الغزّالي غير برهاني لاعقلاني. وكردّ فعل على هذا الزعم، ظهر عندنا في السنوات الأخيرة زعمٌ يصف الفكر الغزالي ب"العقلانية المنفتحة" والفكر الرشدي ب"العقلانية المنغلقة" !!! وهكذا يصبح عندنا التأليف ترديداً مبتذلاً لمفردات مبهمة عن طريق ردود فعل مزاجية، بدون تنقيب أكادِميّ مسؤول. إن هذا التضخّم في استعمال فجّ لمفردات مثل "العقلانية" و"الحداثة" علامة على سيادة مناخ فكري غير صحّي.

وتدريس الفلسفة في الجامعة وفي الثانوي يعاني من نفس المتاهات غير المجدية في التكوين. فكيف لتلميذ البكالوريا، الذي يعاني من نقص في التكوين في الجغرافيا والتاريخ والفِزياء ولا يتمكن من العربية ولا من الفرنسية ولا من لغة أخرى أن يستفيد من نصوص نيتش وهايدغر وفوكو ودريدا الفلسفية؟ والخطير في الأمر ليس هو عدم قدرة التلميذ على الفهم، بل أخطر من ذلك: أغلب المدرّسين لا يستوعبون المسائل الفلسفية المطروقة، فماذا عساهم أن يبلّغوا للتلميذ؟ منذ ما يقرب من عشرين سنة، نبّهتُ في مقالة في مجلة تعنى بعلوم التربية على هذا الأمر وأعطيت مثالاً كما يلي: مدرِّس ذو تكوين في السيكولُجيا يعطي درساً حول أسس الرياضيات والبرهان الرياضي لتلاميذ البكالوريا في سلك الرياضيات؛ ماذا سيكون عليه الأمر؟ أكيد أن التلميذ سيعتبر الفلسفة خطاباً تافهاً. ثم إن التلميذ يعتقد أنه يدرُس الفلسفة فعلاً، وما هي إلا نصوص مترجمة ترجمة سيئة عن ترجمة أخرى ! إن واقع التعليم والتكوين والبحث في المؤسسة المغربية مؤلم، وماذا يُنتظر أن تكون عليه الإبستمولجيا؟

 

أجل، هذه آلام يكابدها كل مدرس نصوح للفلسفة والإبستمولوجيا وتاريخ العلوم، فعسى أن نكسب بالانخراط الدؤوب في البحث العلمي بعض ما َيعِزُّ علينا فَقْدُه في قاعات المدارس والجامعات. شكرا جزيلا.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

حوار مع الدكتور محمد أبلاغ

حوار مع الدكتور محمد أبلاغ

يشتغل الدكتور محمد أبلاغ أستاذا للفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة (المغرب)، ويعتبر من الباحثين القلائل الذي يمموا وجههم شطر تاريخ العلوم العربية بمنطقة الغرب الإسلامي، حيث انصبت جل مجهوداته على التعريف بإنجازات رياضيي هذه المنطقة دراسة وتحقيقا وترجمة. أثرى مكتبة تاريخ العلوم العربية...

حوار مع الدكتور أحمد جبار

حوار مع الدكتور أحمد جبار

أحمد جبار: من أبرز المتخصصين في تاريخ الرياضيات العربية بالمغرب وإسبانيا المسلمة، وهو باحث بالمركز القومي الفرنسي للبحث العلميCNRS ، كما يشغل منصب أستاذ تاريخ الرياضيات بجامعة العلوم والتكنولوجيات بليل. أغنى مكتبة تاريخ العلوم بالعديد من المقالات والمؤلفات، نذكر من بينها...