حوارات ومدارسات

حوار مع الدكتور أحمد جبار
حوار مع الدكتور أحمد جبار

 

أحمد جبار: من أبرز المتخصصين في تاريخ الرياضيات العربية بالمغرب وإسبانيا المسلمة، وهو باحث بالمركز القومي الفرنسي للبحث العلميCNRS، كما يشغل منصب أستاذ تاريخ الرياضيات بجامعة العلوم والتكنولوجيات بليل. أغنى مكتبة تاريخ العلوم بالعديد من المقالات والمؤلفات، نذكر من بينها:  

L’algèbre arabe genèse d’un art

 Une histoire de la science arabe

-L’age d’or des sciences arabes

نُشر هذا الحوار باللغة الفرنسية بـLA REVUE DE TEHERAN، عدد 21 بتاريخ غشت 2007، تحت عنوان: Entretien avec Ahmed Djebbar، وقد أجرى الحوار كل من Amélie Neuve-Eglise و .Kamran Gharagozli

ويتطرق البروفيسور أحمد جبارفي هذا الحوار إلى مجموعة من القضايا الأساسية في حقل تاريخ العلوم الإسلامية: مسألة التبادلات العلمية بين الحضارة العربية الإسلامية وأوربا، وأهمية الإسهام العلمي العربي في العلوم المنجزة بالبلدان الأوربية، أثر بعض النظريات اليونانية في بعض المسائل العلمية العربية، علاقة البحث العلمي ببعض "المباحث الروحية"، أهم أسباب تراجع البحث العلمي بالبلدان العربية في العصر الوسيط، الخلفيات الميتافيزيقية التي شكلت أساس بعض الأبحاث العلمية، دور الخيال والحدس في بناء المعرفة الرياضية، الروابط التي تجمع بين الكيمياء والخيمياء، بين التنجيم والفلك.

ولا يفوتنا أن نتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ الدكتور أحمد جبار على سماحه لمركز ابن البنا المراكشي بترجمة ونشر هذا الحوار.

 

حوار مع الدكتور أحمد جبار

ترجمة: عبد العزيز النقر باحث

بمركز ابن البنا المراكشي

-   ماهي أنماط التبادل العلمي التي كانت موجودة بين العالم العربي-الإسلامي وأوربا في فترة "العصر الذهبي للعلم العربي"؟

أحمد جبار: يتحدث الفرنسيون عن "العلم العربي"، لكن الإيرانيين هنا يفضلون استعمال العبارة الواسعة: "العلوم في البلدان الإسلامية"، أو "العلوم الإسلامية" "Islamic sciences" بالانجليزية. لقد اعتدنا أن نقول: "العلم العربي"، لكن هذه العبارة تشير في الواقع إلى العلم الذي أُنجزَ في البلدان الإسلامية، وتمت كتابته باللغة العربية. ويقع عصره الذهبي عموما بين القرن 9 ونهاية القرن 11م. لكننا في الواقع نعرف اليوم أن ثمة إسهامات علمية أصيلة كل الأصالة قد استمر إنتاجها حتى القرن 16م والقرن 17م، وخاصة في إيران. بدأت تحدث تبادلات علمية مع نهاية القرن 11م. ولا نملك معلومات دقيقة عن التبادلات بين القرن 9م و11م، ونعتقد أنها لم توجد لسبب بسيط جدا: لكي يكون هناك تبادل بين فضائين ثقافيين، يجب أن يكون الفضاء الثقافي المتقدم نسبيا- وهو حالة المراكز العلمية في الإسلام- قادرا على نشر ونقل المعارف الممكن استهلاكها من قبل نظيره في الفضاء الآخر. بينما نعرف اليوم بفضل المؤرخين المتخصصين في العصر الوسيط الأوربي أن المجتمعات الأوربية لم تكن بعد مهيأة في تلك الفترة للاهتمام بهذه العلوم وإدماجها في تقليد جديد.

لدينا شواهد على هذه التبادلات منذ نهاية القرن 11م، خصوصا عبر مقالات طبية كانت قد كتبت باللغة العربية. وترجمت إلى اللاتينية في "ساليرنو" بإيطاليا من قبل "قسطنطين الإفريقي"، لكن هذا الأمر يبقى عَرضيا. لقد حدثت ظاهرة انتشار المعارف الإغريقية والهندية والإسلامية في الوقت نفسه انطلاقا من نصوص مكتوبة باللغة العربية. وحصلت بشكل مهم ابتداء من القرن 12م، لتمتد إلى حدود القرنين 14 و15م. هذه الظاهرة القوية تفترض مجموعة من الأشياء، سيما أن أفرادا وجماعات في أوربا كانوا على وعي بأهمية هذه المعرفة، فشعروا بالحاجة إلى الذهاب بحثا عنها، وقد كانت لديهم القدرة على فهمها ثم شرحها، وتعليمها، وأخيرا  تطويرها. وُجدت هذه العملية في عدة حضارات، كما مورست من قبل المسلمين في القرن 8م، وذلك حينما ترجموا وانتقدوا، وشرحوا، واستوعبوا المعرفة الإغريقية والهندية، لكي ينتجوا فيما بعد معرفة جديدة وغنية. وهي نفس الظاهرة التي ستُلاحظ في المجتمعات الأوربية في القرن 12م بسرعات مختلفة وخصوصيات جهوية واجتماعية. إذن، فقد ترجم الأوربيون العديد من المقالات في الجبر وعلم الفلك والهندسة، وكثيرا من المقالات الفلسفية والطبية، في حين لم يترجموا النصوص الدينية التي كان اهتمامهم بها أقل. وهذا مفهوم تماما، لأنه في اللحظة التي بدأت فيها مجموعات المجتمع الأوربي ترجمة نصوص العلم الإسلامي، بدأت بالتزامن مع ذلك الحركة القوية للحروب الصليبية. والتي كانت بالتحديد هجومات عنيفة ضد نفس الامبراطورية التي أنتجت العلم.

من المفارقة أن تبدأ الترجمات أثناء فترة الصراع هذه، جاعلة من هاتين الواقعتين سيرورتين متوازينين. لم يكن مترجمو النصوص بطبيعة الحال هم من قام بالحرب. فقد كان المحاربون مدفوعين بأسباب مركبة: ايديولوجية وسياسية واقتصادية في نفس الوقت. أما الاهتمام بالعلم، فقد كان بالأحرى نتيجةً لتطور داخلي لصالح المجتمعات الأوربية، أي أنه من خلال تطورهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أصابوا نوعا من التنظيم أو بنية سمحت لهم بإنتاج مجموعات اجتماعية قادرة على التحرر من قوة الكنيسة كي تصير علمانية أو إكليريكية. هذه المجموعات لن تهتم بدراسة الدين فقط، ولكن بدراسة شيء آخر لم يكن موجودا في الصوربون، وإنما في طليطلة وبالرمو، أو المغرب. ومن ثم سيأتي شباب لتعلم اللغة العربية في بالرمو، وطليطلة، أو بالمغرب، وذلك ابتداء من القرن 12م، وتعلموا في البداية بشيء من السرعة، في سنة أو سنتين أحيانا ، ثم بدأوا الترجمة. لأنهم أحسوا بالحاجة إلى ذلك، وشعروا أن هذه هي لحظة استيعاب هذا العلم، ليس لأجلهم فقط، وإنما لأجل المجتمع كذلك. لماذا لم يحدث هذا من قبل؟ لأن المجتمعات الأوربية لم تكن مهيأة بعد لاستيعاب هذه المعرفة.

- إذن فإسهام هذا العلم المنجز في البلدان الإسلامية في العلم الحديث كان هائلا...

    أحمد جبار: إن أوربيي هذه الفترة أنفسهم هم الذين قالوا إن الإسهام كان هائلا. غير أنه انطلاقا من القرن 17م، سيغير المؤرخون الرأي، وسيقررون إعادة كتابة التاريخ لأسباب ثقافية وإيديولوجية محضة وواضحة. لأن أوربا بدأت في هذه اللحظة تشكل بدورها محرك العلم على المستوى العالمي، حتى وإن كان هذا لا يزال غير واضح، فإن الأوربيين كانوا على وعي بأنهم بعد أن كانوا تلاميذ للمسلمين قد أصبحوا في طريقهم ليصيروا أفضل منهم، من ناحية أخرى فإن هذا لم يكن مضبوطا، وذلك لأنهم جهلوا أن المستوى العلمي إبان القرن 16م و17م بإيران كان بدوره مرتفعا كالذي بأوروبا. فقد انحط العلم في بعض أنحاء العالم الإسلامي كإسبانيا بعد حرب الاسترداد، وبقدر أقل في المغرب ومصر، ولكن لأسباب مركبة فإن الفترة الصفوية بالنسبة لإيران كانت فترة تجديد في المنطق والفلسفة والفلك،... واعتبر الأوروبيون، لجهلهم بذلك، أنهم وصلوا إلى المستوى العلمي الأكثر تقدما بإنتاجهم لعلم مبني بشكل كلي على العلوم الإسلامية ـ أي العلوم الدنيوية، لأنهم أبعدوا العلوم الدينية ـ ومن الطبيعي أن يبدأوا في الابتكار، ويحصلوا بالتالي على وعي بقوتهم انطلاقا من هذا. وعندما يعي مجتمع ما قوته الذاتية، يصبح وطنيا أو شوفينيا. هذه حال كل الشعوب حتى يومنا هذا. فَهِم الأوروبيون إذن أنهم بقدر ما كانوا تلاميذ للمسلمين بقدر ما كانوا أعداءهم في الدين، فلماذا ينتسبون إليهم إذن؟ لذا سيحاولون أن يظهروا أنهم ليسوا بورثة للمسلمين، ولكنهم ورثة تقليد قديم يبقى دائما أوروبيا، فتم إنشاء مفهوم "الإرث اليوناني" في هذه اللحظة. لم يجحد المسلمون الإرث الإغريقي أبدا، بل تم إغناء هذا الإرث الإغريقي والهندي من خلال إسهامات المسلمين أثناء أربعة قرون. الشيء الذي أسس العلم الدنيوي للبلدان الإسلامية. وقد كان الأوروبيون من القرن 12م إلى 15م يعرفون هذا بشكل جيد، لكن الأوروبيين الجدد في القرن 17م احتاجوا إلى إعادة كتابة التاريخ بوجه آخر استجابة لنوع من الحاجة الهوياتية  في القرن 17 م. وشرعوا في محو أي دور للعلماء المتخصصين في بلاد الإسلام ابتداء من القرن 17 م.

-اعتبر أفلاطون في نظرية المثل، الموضوع الرياضي في عداد الصور الوسطى idées médianes، بصفة عامة، كيف كانت استجابة رياضيي البلدان الإسلامية لهذه النظرية؟

    أحمد جبار: بداية، يجب أن ندقق القول: فرياضيو البلدان الإسلامية لم يكونوا بالضرورة فلاسفة، لذا لم يكونوا يعرفون ضرورة كتابات أفلاطون. زيادة على ذلك فإن المسلمين ترجموا أرسطو بشكل خاص. نعم، ترجموا أفلاطون لكنهم اشتغلوا أكثر على أرسطو، فكانوا على معرفة أفضل به. بناء على ذلك، عندما يريد رياضيو الشرق والغرب استعمال الفلسفة للتعبير عن بعض الأفكار فإنهم يستشهدون بأرسطو دائما لا بأفلاطون. إذن فقد وصف أفلاطون الرياضيات المثالية، الموجودة في عالم "المثل"، وهذه فكرة كانت مقبولة من قبل العديد من الرياضيين حتى لو لم يقرأوا أفلاطون، ذلك أن الرياضيين يشتغلون على أفكار تأتي مع ذلك من بيئة مشخصة. 

     ففكرة الدائرة والمستقيم والخط والمربع وكذا بعض المنحنيات المعقدة... تُرى جميعُها بداية في الطبيعة. فلدى الرياضيين بصفة عامة توجه أفلاطوني دون أن يعرفوا أفلاطون، مثل السيد    Jourdain الذي مارس النثر دون أن يعرفه. لكن رياضيي البلدان الإسلامية لم يمارسوا الرياضيات بطريقة أفلاطونية، لأنهم  كانوا واقعيين أكثر. كان هناك نوعان من الرياضيات:

(الأولى) رياضيات ملموسة، وهي التي استجابت لحاجيات المجتمع، وطورت أدوات لحل مشاكل مسح الأراضي والهندسة المعمارية، والميكانيكا، والفيزياء. وبحثت في فهم كيفية تشكل الضوء. كيف يأتي إلينا؟ كيف تتم الرؤية؟ لماذا لقوس قزح ألوان عديدة؟ هذه أسئلة نظرية وعملية معا.

و(الثانية): رياضيات نظرية، لأن الرياضيين لم يقوموا بحل المشاكل المشخصة فحسب، بل وضعوا أيضا أسئلة نظرية. وتكون هذه الأسئلة جد بسيطة أحيانا، ولكن نتائجها يمكن أن تكون جد معقدة، ولا تفيد ما هو تطبيقي أو آني في شيء، وإنما تسمح للرياضيين بامتحان وتطوير أدوات نظرية في محاولة لإيجاد الحل حبا في الإطلاع فقط. غير أنه لا وجود للمعجزات في الميدان الرياضي. فالرياضيات هي قبل كل شيء عبارة عن تراكم وتراكيب وبناءات متطورة متقنة. ولحل مشكل معقد، يجب الاعتماد غالبا على كل إرث السابقين. إذن، ففائدة هذه الأعمال ليست في الغالب البرهنة على النتيجة، بل في تطوير أدوات رياضية جديدة، تخدم إنجاز هذه النتيجة نفسها. من الممكن ألا يفيد هذا في شيء، لكن الأدوات التي تم تطويرها لإيجاد النتيجة تستطيع خدمة الفيزياء والرياضيات، لأنها لا تشتغل في الغالب لأجل الحاضر ولكن للمستقبل بشكل أكبر. في هذا كله تكمن قوة الرياضيات، وضعفها أيضا.

-ما هي العلاقات التي كانت موجودة بين العلم و ما هو روحاني إبان هذا العصر الذهبي الذي نحن بصدد الحديث عنه؟ هل اشتغل العلماء على تحقيق أهداف الفضول الفكري وتحسين شروط الحياة المادية، أم أنهم ارتبطوا بطريقة أو بأخرى بمذهب متعال؟

أحمد جبار: لا نملك نصوص رياضيين يقولون هذا. كما تعرفون، فالرياضيون كالحرفيين، يتجهون نحو التخصص حسب كفاءاتهم. ويعتقد الناس غالبا أن رياضيي البلدان الإسلامية كانوا كابن سينا الذي يعرف كل شيء، في حين أن هذا أبعد ما يكون عن واقع الحال. لقد كان ابن سينا عالما موسوعيا، بيد أن غالبية علماء الإسلام لم يتخصصوا إلا في مبحث أو مبحثين أحيانا. فالعديد من الرياضيين لم يكونوا فلاسفة ولا رجال دين ولا فيزيائيين، وحتى الرياضيين لم يكونوا مهندسين أو منظرين، ولكن كانوا على سبيل المثال جبريين فقط. لقد أقاموا دون شك روابط بين بعض المسائل التي وضعوها وبين ما هو روحي، لكن للأسف لا نملك كتابات تثبت هذا، إننا كباحثين نعتمد على نصوص، لا نستطيع السماح لأنفسنا بمجرد التكهن.

- يعتبر رشدي راشد أن أعمال ديكارت في المجال الرياضي تقتفي أثر أعمال الخيام، ما رأيكم في هذا؟

لا يوجد بين المتخصصين دائما نفس الرأي حول مسألة ما. ففي نطاق ما قدمه عمر الخيام من دراسة للمعادلات من الدرجة الثالثة، يمكن القول بصفة عامة إن رياضيي أوروبا سيواصلون الأبحاث التي تم التوصل لها في البلدان الإسلامية، وخصوصا تلك الأبحاث التي لم تلق حلا. كان الخيام أول من وضع نظرية في هندسة المعادلات التكعيبية، لأنه فشل في حل المعادلات بالجذور كما يقول هو نفسه. وسوف يتم إيجاد الصيغة المطلوبة في القرن 16م في إيطاليا من قبل "ترتاليا" Tartaglia و"كاردن"،Cardan  و"بومبيللي" Bombelli . لماذا وجد الإيطاليون الصيغة بينما فشل المسلمون في ذلك؟ إن الفرضيات مركبة وتهم طريقة كل واحد منهم في ممارسة الرياضيات. هذا لا يرتبط البتة بالذكاء، لأن لكل مرحلة رجالها الأذكياء، لكن طريقة ممارسة الرياضيات في فترة ما، تمكن من إيجاد بعض النتائج التي تعكس انشغالات المجتمعات في تلك اللحظة.

   لإقامة رابط بين ديكارت والخيام، يجب البحث لمعرفة ما إذا كان ديكارت على معرفة بأعمال الخيام، وليس لدينا دليل مكتوب بخصوص هذا. كباحث ينتابني شك ولا أتوفر على أي معطى يسمح لي أن أثبت أن كتابه قد وصل إلى الغرب، كما لا نملك أدلة عن وصول كتابه "مقالة في الجبر والمقابلة" إلى المغرب أوالأندلس. بينما - بشكل عام - لكي يصل كتاب ما لرياضيي الإسلام إلى أوروبا، يجب بداية أن يمر من المغرب، وإسبانيا المسلمة، أو إيطاليا، ولا نملك دلائل على أن أعماله قد ترجمت بطليطلة أو بالرمو، ولدينا مع ذلك شاهد واحد هو المؤرخ الكبير ابن خلدون، الذي ولد بتونس وتوفي في 1406م. يشير في كتابه الأساسي "المقدمة" إلى أن رياضيا من الشرق درس أكثر من ست معادلات ليصل حتى 25. إذن فالمعلومة ليست دقيقة. يمكن التأكيد إذن على أن أعمال عمر الخيام لم تكن معروفة في المغرب إبان القرن 14. ولهذا يبدو أنه من المستبعد أن تكون قد عرفت من قبل الأوروبيين. الشيء الوحيد الذي يمكن إذن تأكيده هو أن الأعمال الرياضية لديكارت قد ارتبطت بتقليد جديد خاص بأوروبا، والذي شُيد على الرياضيات اليونانية ورياضيات البلدان الإسلامية. أما الباقي فلا يعدو كونه مجرد فرضية.

- ما هي العوامل التي أدت إلى انحطاط العلم المنجز في البلدان الإسلامية؟

أحمد جبار: عندما يتم الحديث عن الانحطاط، يعتقد في الغالب أنه في لحظة محددة وفي كل مناطق الإمبراطورية تلاحظ ظاهرة تتجلى في تراجع وتباطؤ وفقر في الأنشطة العلمية، وتؤدي إلى غياب الابتكار. لقد حدثت هذه الظاهرة بالفعل، لكنها لم تكن معممة في كل أنحاء الإمبراطورية. بالإضافة إلى ذلك، لم تنطلق في نفس اللحظة في المناطق المختلفة، كما لم يكن لها نفس القوة في كل الأمكنة. ذلك أن البلاد الإسلامية كانت امبراطورية مترامية الأطراف، ولا يجب أن نحكم عليها كاليونان أو أوروبا نفسها، لأن الإمبراطورية الإسلامية امتدت على ثلاث قارات. عندما نطرح مسألة الانحطاط، لا نفكر في الغالب إلا في منطقة البحر الأبيض المتوسط حيث كان الانحطاط بالفعل جليا، خصوصا في فترة حرب الاسترداد الإسبانية. فحرب استرداد طليطلة وقرطبة وسرقسطة وإشبيلية في القرن 12م ستوقف بالفعل الأنشطة العلمية لهذه المدن. وستنتقل المراكز العلمية التي كانت موجودة في هذه المدن نحو الفضاء الإسلامي الأكثر ملاءمة لثقافتها، لأنها لم تعد تجد هناك نفس الجو ونفس أسلوب العيش. إذن، فقد أدت هذه الغزوات إلى هجرات ثقافية كبرى إلى مصدر الانحطاط الواضح الذي كان موجودا بالأندلس من القرن 12م إلى 14م، في حين سيستفيد المغرب من التراجع الذي عرفته إسبانيا، وسيعرف في نفس اللحظة ازدهارا في الرياضيات والفلك. وبالتالي فقد كان هناك تراجعات جزئية خلال هذه الفترات المحددة، بينما تستفيد بعض التراجعات من مناطق أخرى وتسهم في إعادة الحيوية لأنشطتها. بصفة عامة، فكثير من المناطق ستبدأ في رؤية توقف أنشطتها لأسباب اقتصادية وعسكرية وسياسية، وذلك بعد الحروب الصليبية التي حدثت من 1099-1270. وبعد هذه الحروب الصليبية شن المغول على الامبراطورية الإسلامية من آسيا وإيران غزوا كانت نتائجه كارثية على كل الصعد الاقتصادية والعقلية والثقافية وذلك رغم أن المغول أصبحوا مسلمين في ما بعد، ثم حاولوا إعادة نفسٍ ثانٍ للمنطقة التي دمروها. وبينما كانت الأندلس في طريق الانحطاط، كانت إيران تعرف بعض التجديد العلمي. لكن المشكل هو أن المستشرقين غالبا ما يتجهون إلى تحليل مجموع الإمبراطورية انطلاقا مما حدث في الأندلس، في حين أنه يجب دراسة كل منطقة على حدة وبالتفصيل.

  هل استطاعت الميتافيزيقا وخصوصا الأنطولوجيا أن تشكل أساسا لإنجاز نوع معين من الرياضيات؟

أحمد جبار: يفترض سؤالكم أن اعتبارات فكرية ميتافيزيقية استطاعت أن تؤدي إلى أبحاث رياضية. نظرا للمعارف الحالية حول التقليد الرياضي الإسلامي والتي تظل جزئية بسبب اعتمادها على المخطوطات التي اكتشفناها وندرسها، فإننا لا نستطيع تأكيد أي شيء. وهذا لا يعني أنه لن يتم في يوم ما إيجاد كتابات حول هذا الموضوع. لكن في الوقت الراهن، لا أعرف باحثا انطلق من مسائل ميتافيزيقية لوضع نتائج رياضية، باستثناء بعض الأمثلة المحدودة، يمكن الاستشهاد خصوصا ببعض الدراسات الفلسفية لنصير الدين الطوسي في القرن 13م، أو تلك التي ترجع لرياضيين جد متأخرين أرادوا شرح ابن سينا وحاولوا إدخال بعض الإجراءات الرياضية وليست الميتافيزيقية بغرض حل مشاكل منطقية. وفي هذا السياق مارسوا التحليل التوافيقي الذي بقي مع ذلك ابتدائيا. لكن بصفة عامة، لا يمكن أن نعتبر أن المشاكل المرتبطة بالفلسفة قد استطاعت أن تؤدي إلى تطور رياضي مهم. بالمقابل، فإن بعض المشاكل اللغوية أو التطبيقات الدينية قادت إلى أعمال رياضية وفلكية مهمة، بينما قاد كل هذا إلى تطوير أدوات رياضية جديدة. على سبيل المثال، فإن دراسة اللسانيات ونحو اللغة العربية التي كانت في تلك الفترة لغة السلطة هو ما أسهم في وضع مسألة صناعة المعاجم. فعند دراسة لغة ما، يتم وضع مسألة إنجاز المعجم، التي تؤدي إلى مسألة طريقة اشتقاق كل كلمات اللغة وترتيبها لصناعة هذا المعجم. إنها مشكلة رياضية حقيقية برزت مع نهاية القرن الثامن، ولم تجد حلا فوريا. في حين أنها كانت أساس الأبحاث التي ستُنجَز أساسا في مراكش وليس بمركز الإمبراطورية، والتي ستتطور إلى حدود القرن 12م. هذا يبرز بداية أن العلوم كانت تنتشر بطريقة جد مهمة من سمرقند إلى سرقسطة، وأنه بالرغم من شساعة الإمبراطورية فإن المراكز العلمية حافظت على روابط متينة فيما بينها. هذه إذن مسألة خارجة عن الرياضيات قادت إلى تطوير البحوث في الرياضيات. لكن للعودة إلى سؤالكم، يمكن إيجاد علاقة معاكسة: ليست الميتافيزيقا هي التي أدت إلى أبحاث رياضية، لكن الرياضيين  الذين يمارسون الرياضيات هم الذين يضعون أسئلة خارجة عن ميدانهم.

ماهو دور ووضع الخيال ضمن الأنشطة العلمية، وخصوصا في مجال الرياضيات المنجزة في البلدان الإسلامية؟

أحمد جبار: يمكن اعتبار الخيال والحدس عنصريين ذاتيين في المجال العلمي، ولا ينظر إليهما بنفس الطريقة في المجال الفلسفي والصوفي. فعندما نقول مثلا إن التحليل والتركيب يشكلان أداتين قويتين للفكر، فدلالة هذا عند الفلاسفة غير دلالته عند الرياضيين. فكثير من الناس يتحدثون عن الرياضيات واضعين في اعتبارهم تجربة الفلسفة والميتافيزيقا فقط. يجب أن نرى جيدا بأن هذه المباحث قد كانت منفصلة عن بعضها تماما في البلدان الإسلامية. ومنذ مدة كان هؤلاء الذين يتحدثون عن الرياضيات أناسا يعرفون جيدا تاريخ الميتافيزيقا والفلسفة وعلم النفس أو الأنشطة الدينية كالفقه، وقد حاولوا أن يشرحوا على ضوء مفاهيمهم ما كان يجري في الميدان الرياضي، بينما لم يكونوا هم أنفسهم بالضرورة على معرفة كبيرة بالمعارف العلمية. فجيلنا من المؤرخين المتخصصين في تاريخ الرياضيات يفهم جيدا هذه المادة، وبهذا المعنى، لا نستطيع القول بسهولة إن رياضيا ما قد مارس التأمل الميتافيزيقي باستعمال الرياضيات. لقد مارست الأغلبية الرياضيات البحتة كما يفعل ذلك الرياضيون اليوم. وبالعودة إلى مسألة الخيال والحدس، فإنهما يوجدان في كل مكان من المنهج الرياضي، وهذا ما يتحدث عنه الرياضيون أنفسهم، فعندما يمارسون الرياضيات، يقولون إنهم يلجأون إلى الخيال، فيقولون مثلا: تستطيعون تخيل مثل هذا الخط الذي ينتقل...

استطاعوا إذن بفضل الخيال أن يدخلوا الحركة التي كانت مرفوضة من قبل اليونان، فجعلوا  طريقة ممارسة الهندسة تتقدم على هذا النحو. لقد تمكنوا إذن من إدخال الحركة التي منعها أرسطو، وخالفوه. لكن، كان هناك داخل جماعة الرياضيين المسلمين من سايره، وكان منهم من أراد ممارسة الرياضيات فقط. فقد كان هناك رياضيون فلاسفة، كابن سينا وعمر الخيام الذي انتقد ابن الهيثم قائلا بأنه كان رياضيا كبيرا ولم يكن فيلسوفا جيدا. كما اعتبر من وجهة نظر فلسفية فعل ادخال الحركة للبرهنة على فرضيات ما عبارة عن هرطقات. إذن، فقد أدخل البعض الحدس والخيال وبالتالي الحركة في المنهجية الرياضية، في حين اعتبر البعض الآخر أنه من الواجب ممارسة الرياضيات فقط من خلال الموضوعات الموجودة في العقل، والتي تعطى تعريفات نظرية محضة دون إدخال الحركة. على سبيل المثال، فإن هؤلاء قبلوا القول بأن الدائرة هي مجموع النقط التي على مسافة متساوية من نقطة أخرى تسمى المركز. وهذا النوع من التعريفات هو ما يفضله أرسطو وأقليدس، والذي ينتمي إلى مجال الهندسة الثابتة. لكن إذا قال رياضي ما إنه حر بأن يعرف الدائرة كنتيجة لتحرك مستقيم يدور حول نقط ما، وطرفه يرسم منحنى مقوسا يسمى بعد ذلك دائرة، فقد أدخل الحركة. لكن إذا كانت النتيجة هي نفسها في النهاية، فإن بعض الرياضيين كانوا مع الحركة وآخرون ضدها لأسباب فلسفية وميتافيزيقية. فهذا نموذج على تدخل الميتافيزيقا في الخطوات الرياضية. يمكن إذن وضع تمييز بين أولئك الذين أجهدوا أنفسهم في احترام القواعد الميتافيزيقية سيرا على أثر ابن سينا، وأولئك الذين أرادوا قبل كل شيء حل المسائل، ومارسوا الرياضيات لإيجاد ما اعتبروه قوانين لا تشكل إلا حروفا صغيرة في محيط العلم الإلهي. في هذه الحالة، طالما وجدت النتيجة، فلا تهم الطريقة، لأن الله هو الوحيد الذي يبقى المالك المطلق للعلم.

إذا تم اعتبار النزعتين الحدسية والتكوينية توجهين رئيسيين لفلسفة الرياضيات، مع أي منهما تنسجم فلسفة الرياضيات المنجزة في البلدان الإسلامية بشكل أفضل ؟

أحمد جبار: لا أعتقد أن الرياضيين قد أنجزوا فلسفة للرياضيات، فقد أراد رياضيو الإسلام حل المسائل، وبناء نظريات، لكنهم لم يذهبوا بعيدا في هذا المجال. كمؤرخين نحاول كتابة نوع من الفلسفة تخص رياضيات البلدان الإسلامية، وكذلك فهم كيفية ممارستهم للرياضيات. لا أسمي هذا فلسفة للرياضيات، بل هي بالأحرى إبستمولوجيا. الشيء الذي يحيل أكثر إلى التفكير في الطريقة التي فكر بها الرياضيون المسلمون ومارسوا بها الرياضيات. كيف كانت طبيعة ممارستهم؟ ما هي العوائق الإبستمولوجية التي واجهتم؟ نحن نسعى على وجه التحديد إلى أن نعرف لماذا كان الخيام قادرا على إيجاد نظرية هندسية للمعادلات التكعيبية، لنكتشف أن ذلك قد حصل لأنه فشل في البدتية في حل المشكلة بالطرق الحسابية. ويشير الخيام في كتابه في الجبر إلى أنه إلى حدود تلك الفترة لم يجد أحد من رياضيي البلدان الإسلامية طريقة لحل معادلة من الدرجة الثالثة بواسطة "الحساب"، ويضيف بعد ذلك باحتراس أنه من المحتمل أن يكون الإغريق قد وجدوا الطريقة، وأن لا شيء من هذا وصل إلى رياضيي الإسلام. ثم يقول إنه بعد التفكير، وانطلاقا من كل المحاولات التي قام بها سابقوه كالقوهي وابن الهيثم والبيروني... توصل إلى إيجاد نظرية عامة. كما كشف أيضا عن وجود عائق إبستمولوجي فرض على الرياضيين البحث عن طريقة جديدة. من جهة أخرى، فغالبا ما تتقدم العلوم على هذا الشكل: سواء بتجاوز العائق، أو بتحاشيه. ولإيجاد الحل بطريقة أخرى، سيتم اصطناع أدوات جديدة، ما دامت القديمة لم تكن تسمح بالذهاب بعيدا. من الممكن أن تعادل هذه الإبستمولوجيا فلسفة للرياضيات، ويسميها بعض الزملاء هكذا. لكني أفضل عبارة أكثر تواضعا، هي إبستمولوجيا الرياضيات. لماذا مارس الرياضيون المسلمون الرياضياتفي هذا الاتجاه لا في غيره؟ لماذا قاموا في لحظة محددة بتطوير الجبر وعلم الفلك؟ لماذا حصلوا على نتائج في نظرية الأعداد التي كانت لها علاقة بالتقليد الإغريقي فقط؟ هذا ما يجتهد مبحثنا في الإجابة عليه، لكننا نظل جاهلين للعديد من الأمور.

- يشار غالبا إلى فكرة الطلاق الذي حدث بين الفلك والتنجيم، وكذا بين الكيمياء والخيمياء، من وجهة نظر علمية، هل كانت توجد وحدة قبل الحديث عن الطلاق؟

أحمد جبار: كان العلماء يعرفون جيدا الفرق بين الفلك والتنجيم في بداية المغامرة العلمية للبلدان الإسلامية. أما فيما يخص الكيمياء، فلم يكن عند المسلمين إلا كلمة واحدة للتعبير عن لفظ "La chimie" وهي "الكيمياء"، وفكرة وجود نوعين من الكيمياء هي من تصنيف مؤرخي العلوم الأوربية والذي أنجز بعد القرن 18م. بالمقابل، ففي الكيمياء الإسلامية كما في أي كيمياء وجدت من قبل، كان هناك كيمياء نظرية – وهي التي ستسمى في ما بعد بالكيمياء السرية أو الكيمياء ذات الامتدادات الصوفية- وكيمياء مختبرية. وكلاهما تمارَسان من قبل نفس الشخص، كانت هذه إذن هي الكيمياء. وانطلاقا من القرن 12 م، سيتُرجم جزء من الكتابات الكيميائية للعلماء المسلمين. لكن للأسف، لم تترجم إلا تلك التي كانت مكتوبة ومتحاتة في تلك الفترة، وتتصدرها الأبنية النظرية أو الكيمياء السرية التي مثَّلتْ النظرية الأساسية في تلك الفترة قبل ظهور النظرية الجزيئية. بداية وُجدت النظرية الإغريقية التي أخذها المسلمون وأعادوا تطويرها مع الرازي والجلدكي وآخرون... ثم سيعرف الأوربيون قطيعة في فترة "لافوازييه" مع "نظرية الفلوجستون" la théorie du phlogistique قبل ظهور النظرية الجزيئية. إذن فقد كان هناك على الأقل ثلاث مراحل متتابعة، شكلت تأويلات مختلفة للأشياء الملاحظة والمستعملة في التطبيق، وتسمى بـ"النظريات الكيميائية". وكما هو الحال في النظريات الفيزيائية، فإن كل نظرية منها تحتوي على شيء من الحقيقة، ثم تُتجاوز فيما بعد لتعوض بنظريات جديدة، لأنها لم تجب عن كل الأسئلة التي يثيرها التطبيق. بيد أن كل نظرية جديدة ترفض جزءا وتحتفظ بجزء من النظرية السابقة. عندما سيكتشف الأوربيون الفلوجستون والنظرية الجزيئية سيقولون: كل ما قام به الكيميائيون من قبلنا - أي المصريون واليونان والفرس قبل الإسلام وكذا المسلمون- كان نوعا من الكيمياء، وما نمارسه نحن كيمياء أخرى مختلفة". وبما أن الإيديولوجيا تتدخل كثيرا في العلم، فسيسمي الأوروبيون كيمياءهم بالكيمياء المعاصرة، لكي ينعتوا فيما بعد كل ما كان موجودا من قبلُ بـ"الخيمياء" تمييزا لها عن الكيمياء التي أُنجزت من طرفهم، بينما لم تعرف أوربا كيمياءً قط من قبل؛ إذ يجب أن لا يغيب عن بالنا أن الكيمياء الأوربية في القرن 12م إلى حدود القرن 17م جاءت بكاملها من الكتابات العربية المترجمة إلى اللاتينية. وهذه ظاهرة لا تقبل النقاش. لقد كانوا يملكون القليل من الرياضيات والفلك، ولم تكن لديهم كيمياء. فكل الكيمياء المنجزة في أوربا تجد مصادرها إذن في الكتابات العربية.

تساعدنا البحوث إذن على تغيير نظرتنا إلى الوقائع، وتقودنا بالتوازي مع ذلك إلى تغيير على مستوى الاصطلاح. الشيء الذي يكتسي أهمية بالغة.

وفي ما يتعلق بالتغيير في المصطلح: يجب علينا ألا نكتب أبدا أن المسلمين "نقلوا" علومهم إلى الأوربيين. فكلمةُ "نقل" لفظ مضلل. فلم يتخذ المسلمون أبدا قرارا على مستوى الوقائع بنقل علومهم، لأن فلسفتهم وإدراكهم للعالم، ومعرفتهم الخاطئة بجيرانهم، كل ذلك جعلهم يعتقدون أن جيرانهم كانوا غير قادرين على فهم العلوم التي أنتجت في البلدان الإسلامية. لم يفكروا أبدا في مساعدة الأوربيين كما يفعل اليوم من يريد أن يساعد الإيرانيين والجزائريين أو الأفارقة بدعوى أنهم أقل تطورا. فقد حدث العكس في تلك الفترة: اعتبر المسلمون أن من ينتج العلم يستطيع أن يمارسه معتمدا على نفسه شريطة أن يعالج كل مشاكل الحياة المادية، أي أن يأكل لسد جوعه ويحصل على مسكن لائق...، فلم يكن العلم إلا من الكماليات. في البلدان الإسلامية لم يتم اعتبار العلم أداة للتصنيع رغم أنه أسهم في حل مشاكل ملموسة وفي إيجاد حلول لمشاكل الحياة اليومية. وفلسفيا، اعتبر المسلمون العلم هبة من الله تسمح لهم بتجاوز الوسائل الفانية، وتجعلهم يقتربون أكثر من بعض الحقائق الإلهية التي تشكل قوانين الطبيعة. وفي تصورهم، أن الله يعلم كل شيء، لكنه يسمح للكائن البشري بعلم بعض الجزئيات اليسيرة. وهذا الموقف أعطاهم الحرية في أن يمارسوا العلم كما يريدون، لأنهم يقولون: مهما كانت أهمية ما يتوصلون إليه، فلن يكون شيئا بالمقارنة مع كل المعرفة الإلهية. وبهذا المعنى، لا يستطيع أحد أن يمنعهم من ممارسة العلم. فلا يستطيع أي من علماء العقائد المحافظين- وقد كانوا كثرا- أن يمنعهم من وضع فرضيات كانت أحيانا ثورية. فبعض علماء الفلك ناقشوا في إيران فرضية دوران الأرض حول نفسها، الشيء الذي كان ثوريا حقا في تلك الفترة، لأن الفكرة الشائعة آنذاك: أن الأرض ثابتة.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

حوار مع الدكتور محمد أبلاغ

حوار مع الدكتور محمد أبلاغ

يشتغل الدكتور محمد أبلاغ أستاذا للفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة (المغرب)، ويعتبر من الباحثين القلائل الذي يمموا وجههم شطر تاريخ العلوم العربية بمنطقة الغرب الإسلامي، حيث انصبت جل مجهوداته على التعريف بإنجازات رياضيي هذه المنطقة دراسة وتحقيقا وترجمة. أثرى مكتبة تاريخ العلوم العربية...

حوار مع الدكتور بنّاصر البُعزّاتي

حوار مع الدكتور بنّاصر البُعزّاتي

أول ما يصادف الباحثين في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية وجود اصطلاحات تستعمل في أبحاث الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم، مثل مصطلح "التقليد العلمي" و"الجماعة العلمية" و"المجتمع العلمي" والبراديغم أو "الإبدال" الذي خصصتم له قولا مهما في الفصل السادس من كتابكم (خصوبة المفاهيم في بناء المعرفة) ؟ هل لكم أن تتفضلوا بإعطائنا...