القاموس الأبستمولوجي

تاريخ العلوم في ما بين الإبسيتمولوجيا والتاريخ
تاريخ العلوم في ما بين الإبسيتمولوجيا والتاريخ

تاريخ العلوم في ما بين الإبسيتمولوجيا والتاريخ

 

رشدي راشد

أي اختصاص معرفي هو تاريخ العلوم، هذا الاختصاص الذي ظل ينتسب منذ بدايته، باعتباره نشاطا مستقلا في القرن الثامن عشر، إلى الإبستيمولوجيا والتاريخ معا’ فلو فكرنا في أعمال كوندرسيه (Condorcet) سواء في المخطط الإجمالي (Esquisse) أو في التقريظات الأكاديمية (Eloges académiques) أو فكرنا في أوغست كونت (auguste Comte) وفي الدور الذي يوليه إلى تاريخ العلوم في دروس الفلسفة الوضعية (Cours de philosophie positive)، أذا اقتربنا أكثر من زماننا الحاضر ذاكرين على سبيل المثال ج. نيدام (J.Needham)، فإننا نطرح السؤال نفسه: خل يمثل تاريخ العلوم اختصاصا معرفيا حق، وما هي بالتحديد منزلته بين الإبستيمولوجيا والتاريخ؟

أما الجزء الأول من السؤال(هل هو فعلا اختصاص معرفي؟) فينحل بسرعة. إن تاريخ العلوم، كما يتبادر في كتابات المنتسبين إليه لا يمثل فنا مختصا. بل ميدان نشاط. إذ ينقصه مبدأ التوحد الذي منحه القدرة والوسائل الكفيلة بتمييزه من طريق الإقصاء: إن أي ميدان للممارسة لا يقصى، بل هو يتوسع توسعا غير محدود وذلك بإضافات متواترة، إنه عنوان لمواضيع مختلفة ومتنافرة وليس فنا مختصا ذا تعريف إجرائي. وذلك تتجاوز في تاريخ العلوم المذاهب المختلفة وتتعارض انطلاقا من توجهات واعتقادات بقصي بعضها بعضا. فيرى البعض، وهم غالبية، أن تاريخ العلوم هم تاريخ للأفكار بالمعنى المعروف للعبارة أي تاريخ للعقليات، وفي حين يرى البعض الآخر، وهم أكثر صرامة وفطنة، إن تاريخ العلوم هو تاريخ المفاهيم العلمية، تاريخ تكونها وتطورها وتعديلها. ويرى آخرون، وهم مؤرخون في أصل تكوينهم، أنه لا يبالي بالمفاهيم وطبيعتها الخاصة، بل أن تاريخ العلوم قد يكون تاريخ إنتاج ثقافي على غرار تاريخ الرسم أو تاريخ الأديان. ولنذكر أيضا أولئك الذين يجعلون منه ضربا من علم النفس الاجتماعي للعلماء، وكذلك الذي يجعلون منه على اجتماع ميداني على النحو الذي تطور عليه علم الاجتماع إثر الحري العالمية الثانية بالولايات المتحدة، على وجه الخصوص، أي علم اجتماع للجماعات والمخابر والمؤسسات. لم يكتمل هذا الثبت بعد، فهذا التنوع يتزياد تزايدا لا تقتضيه ضرورة داخلية للبحث في تاريخ العلوم، بل بتأثر استيراد مستمر لرؤى ولمناهج العلوم الاجتماعية.

يبدو هذا التكاثر وكأنه هروب إلى الأمام قد يغني عن الإجابة عن الجزء الثاني من السؤال: ما هو موقع تاريخ العلوم في ما بين الإبيستمولوجيا والتاريخ؟ إلا أن هذا السؤال إن تركناه في الخفاء، يجبرنا ـ شئنا أم كرهنا ـ على الإفصاح عن موضوع تاريخ العلوم. كل الصعوبة، وهي ذات بالتمثل في التعبير عن الشيء الذي يؤرخ له بدون التحيز إلى اختبار اعتباطي وبدون تسليط منهجية معينة، تجريبية كانت أو متعالية (Transcendantale). لذلك، تجنبا لهذه الصعوبات، ويبدو لي من الأنسب أن ننطلق من «من الأشياء نفسها» كما يقال، أي من الأعمال العلمية ومن السنن التي تندرج ضمنها.

يتفق الجميع على أن كل عمل ينتمي إلى سنة واحدة على الأقل، وفي كثير من الحالات إلى سنن عديدة ـ معروفة كانت أو غير معروفة ـ يتحدد معناه بالنسبة إليها. يعني هذا أن الإبداعات الفردية تبقى غير مفهومة ـ مهما بدت ثورية ـ إن لم يقع إدراجها داخل السنن التي شهدت ولادتها. وإذا كان المقصود بـ «العمل العلمي» نتيجة مقررة وفقا لمعايير البرهان الدقيقة ومثبتة في نص، أو محققة في موضوع أو أداة ما، فإننا نعطي مؤقتا لعبارة «السنة» المعنى العام والعادي الذي يميز بعدم عزل العمل العلمي عن الجماعة التي ينتسب إليها العالم الذي بادر بتصوره. فلنبدأ باعتبار معنى السنة هذا.

يسلم مؤرخو العلوم عن طواعية، ومهما كانت ولاءاتهم المذهبية أن إعادة تشكيل السنن العلمية هي واحدة من مهماتهم الجوهرية. إلا أن مسالكهم نحو هذا الغرض مختلفة ومتشبعة. وفعلا، فإن جزا هاما من الجدل الدائر حول المنهجية في تاريخ العلوم يحيل إلى هذا التنوع في تصورات السنة وطبيعتها. ويبدو المشروع لأول وهلة سهلا يكاد يكون فوريا: أليست السنن معطاة بادية في الأسماء والعناوين والمؤسسات وفي الشبكات تكفل تبادل يمكن التعرف عليها مباشرة: إذ يحدث عن سنة نظرية الأعداد الأقليدية، وعن سنة الوازان (wasan) الياباني، وعن سنة المدرسة الجبرية الإيطالية في القرن السادس عشر، وعن الفيزياء الكوانطية الإنكليزية في العشرينات، أو عن الرياضيات البورباكية (Mathématiques bourbakistes). لا شك أن هناك بعض الحالات الاستثنائية، لكنها تؤكد القاعدة، أعني مثلا السنة ـ أو السن ـ الإسكندرانية التي تبلغ نهايتها في أعمال ديوفنطس، التي نجهل مع ذلك كل شيء عنها. كيف لا يغتر المؤرخ بوصف هذه الظواهر إذ هي بادية لتميز، أي الأشخاص والعناوين والمؤسسات؟ وتطغى فعلا هذه النزعة على قسم هام من المدونات التاريخية التي تقد نفسها بتسميات مختلفة: تاريخ الأفكار، التاريخ الاجتماعي للعلوم، إلخ.

غير أنه يصعب على المرء حصر حكم السنة وتقريره إن لم يكتف بمجرد الوصف المادي. فكيف يمكنه عزل السنة الواحدة، وكيف يعين لها بداية ونهاية، وكيف يرسم حدودها بدون إجراء قطيعة تعسفية في جملة التاريخ الحي ذي الحركية اللامحدودة؟ وماذا يمكن لوحدة السنة أن تؤسسه إذا كانت هذه السنة تتطور بمرور الزمن؟ ثم، لم تنشأ السنة، ولم تنتهي؟ وإلى أي نظام يخضع وجودها؟

يبدو انه لا توجد أجوبة قبلية عن هذه الأسئلة.

مع ذلك، فإن المؤرخ لا يكون عند مجرد الوصف إلا في بداية عنائه. فما أن يشرع في عملية إعادة تشكيل السنة العلمية حتى يتبدد وهمه: تتلاشى السهولة البادية ويتجلى عجز المعطيات المادية ـ من أسماء وعناوين إلخ ـ على رسم حدود السنة مع السيطرة على تشعباتها.

لنحاول توضيح ذلك بوصف المراحل التي ترسم عملا ما في تاريخ العلوم. يتعين على المؤرخ في مرحلة أولى أن يقدم العمل العلمي ـ قانوني رياضي، نتيجة فيزيائية، رصد فلكي أو تجربة بيوكيميائية إلخ,,, ـ في وجوده المادي: يجب عليه أن يفحص الرسوم، والنقائش، والبرديات والنصوص المخطوطة منها والمطبوعة، ويجب عليه أن يكرر التجارب، ويعيد تشكيل الأشياء إذا اقتضى الأمر. تساهم كل هذه الإجراءات في إعادة بناء السنة النصية أولا، ثم السنة التقنية...، وبعبارة مجملة في إعادة بناء السنة «الشيئية». ومع أن هذا البحث لا يستقل تماما في العديد من الحالات عن مضمون العلم العلمي نفسه، فإنه يتطلب خبرات مختلفة عن المعرفة العلمية، تلك الخبرات التي تنتسب إلى اختصاصات تاريخية مختلفة كعلم الآثار. وعلم النصوص القديمة (Codicologie) وعلم المخطوطات وفقه اللغة وتاريخ التقنيات، إلخ.

إن هذا المستوى من التحليل ضروري لكنه غير كاف، إذ تبقى إعادة البناء هذه بعيدة عن استفادة العمل العلمي ولا تطلعنا إلا على أصالته النصية والتقنية، وكذلك على شبكات المسالك التي ينتقل عبرها السياق الاجتماعي الذي صمم وركب داخله.كل هذه العناصر هامة بلا شك، لكنها لا توضح لنا موقع العمل العلمي داخل العلم الذي ينتمي إليه. والأخطر من ذلك أننا نبقى في هذه المرحلة غير قادرين على إدراك التباينات التي قد تطبع عمل العالم الواحد. ترسيخا لهذه الملاحظات، لنعتبر على سبيل المثال عمل فرما (Fermat) في نظرية الأعداد. فقد أعاد كل من ب. تانري (P. Tannery) وش. هنري (Ch. Henry) تركيب السنة النصية لهذا العمل، وكذلك شبكات التبادل التي انعقدت حوله بوسع المرء تدقيق البحوث حول ظرفها الاجتماعي وتكثيفها. لكن موقع  فرما داخل نظرية الاعداد لم يحدد بعد. هل هو عمل جبري ينتسب إلى سنة فيات (Vite) في نظرية الأعداد مثلا؟ أم هو عمل قد تنزل لاحقا في الهندسة الجبرية كما يؤكد أ. فايل (A. Weil)؟ أم هو مجرد نظرية حسابية أولية؟ لقد سبق أن توصلت إلى بيان أن أعمال فرما ليست من متن واحد إذ كان يشقها ـ حوالي سنة 1640 ـ خط تصدع بين جزءين. فهناك جزء أعمال فرما ينتمي فعلا إلى سنة الجبريين، في حين يندرج جزء آخر داخل التحليل الديوفنطسي الصحيح (نسبة إلى الأعداد الصحيحة). يقتضي فهم فرما الأرثماطيقي تصورين للرياضيات لا تصورا واحدا، أي سنتين مفهومتين، ترجع الأولى إلى الجبريين مرورا بباش يدي ميزيرياك (Bachet de Mziriac)، أما السنة الثانية، فإنها تجدد ـ على أعقاب أعمال لرياضيين مثل الخازن التي تناولها من جديد فيبوناشي (Fibonacci) في كتابه Liber quadratorum ـ نظرية الأعداد، بفضل أول اختراع لطريقة أرثماطيقية في البرهان هي الطريقة «النزول اللامتناهي». فإذا رمنا تحديد الموقع التاريخي لعمل فرما في نظرية الأعداد، فإننا مضطرون إلى الانتقال إلى مستوى آخر للتحليل وأن نلتزم هذه المرة بإعادة تشكيل السنة المفهومية. إن مثال فرما بعيد عن أن يكون شاذا، بل يبدو الأكثر شيوعا، سيما في ما يخص العلماء الذين استطاعوا تغيير مجرى العلم الذي ينشطون فيه. فنقتصر على ذكر بعض الأمثلة القديمة من العلم الفرنسي: ديكارت(Descartes) وتمييزه الخصب داخل الهندسة الجبرية بين «المنحنيات الهندسية» و «المنحنيات الميكانيكية»، وكذلك أمبار ( Ampère) في الفيزياء لما عدل عن تفسير الكهر مغناطيسية بالاعتماد على المغنطيسية مفضلا النهج المعاكس، لنذكر أيضا فرنل (Fresnel) لما دافع على ضرورة الارتجاجات المستعرضة أي المتعامدة مع الشعاع، مخالفا في ذلك التصور السائد. لا يحق لمؤرخ العلوم باعتباره مؤرخا أن يستغني عن إعادة بناء السنة أو السنن المفهومية، أي عن هذا العمل الإبستيمولوجي.

تتصدى هذه المسيرة عوائق أخرى تجد منشأها في جدلية قائمة بين كثرة متنامية واستقرار أساسي. هناك نتيجة عامة تفرض نفسها بعد دراسة العديد من السنن، وهي أنه لا يمكن تفسير عمل علمي ذي بال في حدود سنه مفهومية واحدة حتى لو كانت تلك السنة هي التي كان فيها لذلك العمل أكبر إسهام. ومن جهة أخرى فإن السنة المفهومية التي تعد ذات قيمة هي التي تتميز بضرب من الاستقرار مهما تنوع المؤلفون ومهما تنوعت إسهاماتهم فيها. تبدو مسيرة السنة المفهومية خاضعة لضرورتين فيهما مفارقة قليلة. فهناك ضرورة استنفاد كل الإمكانيات المنطقية التي يتيحها نمط معين ومقرر من العقلانية من ناحية، ثم هناك ضرورة إصلاح تلك العقلانية ووسائلها قصد استيعاب ظواهر جديدة لا يمكن فهمها في نطاق تلك العقلانية وبتلك الوسائل. لتمثيل ذلك يكفينا التمعن في السنة الأرشميدسية في رياضيات لا متناهي الصغر أو في السنة الأقليديسية في نظرية التوازيات، إلخ... لكن إضافة إلى هذه العوائق، فإنه يجب اعتبار مسألة «الأسلوب» العلمي الذي يميز سنة ما ويختم هويتها خلف الكثرة وبعيدا عن تنوع الصيغ والتغييرات التي تحدد شكلها، إن هذا الأسلوب لا يعكس العقلانية المهيمنة فحسب، بل يعكس أيضا إجراءات العرض الخطابية من حيث اللغة المعتمدة وأدوات الترميز والرسوم البيانية، إلخ... وتمكن الصعوبة كلها في عزل هذا «الأسلوب»، وعزله هذا هو الذي يمكننا من وضع العمل العلمي ـ فرديا كان أو جماعياـ في سياقه، ومن ثمة التعبير عن معناه. يبدو أن لا يمكن تجنب هذا النهج الفينومينولوجي لمن يروم تولية السنة المفهومية دورها الترتيبي الذي به يمكن إيضاح ترابط الأعمال الناسجة لها.

تبدو عبارتنا «السنة الشيئية» ـ التي تكون السنة النصية جزءا منها ـ و«السنة المفهومية» ترجمات ملموسة لمسألة موقع تاريخ العلوم في ما بين التاريخ الاجتماعي والإبستيمولوجيا.

فباعتباره عنصرا من سنة «شيئية» يكون الانجاز العلمي إنتاجا ماديا وثقافيا، أي إنتاج لأناس معينين في مكان وزمان محدديين. ويتعبن على المؤرخ البحث عن الشروط الاجتماعية والمادية لهذا الإنتاج وفقا لما نصح به ماركس (Marx). لكن من وجهه اعتباره جزءا من السنة المفهومية، فإن الإنجاز العلمي يتطلب أيضا تحليلا لبنيته المفهومية من شأنه أن يجلي معناه، بحيث يمكن معناه هذا من تحديد فكرة السنة ذاتها: إن هذه الصياغة الجديدة للسؤال الذي طرحناه قد تنقض بعض الشيء من تراثه، لكنها في المقابل تجنبنا عقبتين، فهي تجنبنا تقليص تاريخ العلوم إلى تحليل إبستيمولوجي محض ـ وهو ما يحدث لعديد الباحثين البارزين المعاصرين ـ أو إلى فلسفة التاريخ على غرار فلسفة أوغست كونت. أما العقبة الثانية، فتتمثل في خطر التباس تاريخ العلوم بتاريخ أي مجال ثقافي اتفق وهو التباس شائع بين المؤرخين. لكن الصعوبة تبقى برمتها إن لم نحدد بمزيد من الدقة معنى السنة المفهومية التي ينتمي إليها إنجاز علمي ما. هل يفهم الإنجاز العلمي إلى سنة مفهومية واحدة أم إلى سنن مثيرة؟ هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها فرريا وتؤدينا حتما إلى التساؤل عن معنى الإنجاز العلمي هذا، وعما يميزه من سائر الإنتاجات الاجتماعية وللإنجازات الثقافية؟

ليس من النادر أن يجيب الفيلسوف عن هذا السؤال بالرجوع إلى تصور ما لليقين والبرهان. لنترك هذا السبيل الذي يبدو عقائديا إن كان في الحقيقة تام المشروعية. كذلك، كثيرا ما يستنجد المؤرخ برأي العالم الذي يعني به لتحديد الملامح المميزة لعمل علمي ما. فربما يجيب تاريخيا عن سؤاله المعرفي، في حين أن الجواب الذي تسلمه من العالم لا يكون إلا إيديولوجيا. أخيرا، قد يواجه مؤرخ العلوم المتمعن هذا السؤال بتقديم ضربين من التمييز: تاريخي ومعرفي. يفصل التمييز الأول بين نحويين من المعرفة، فيحد العمل العلمي بأن يميزه من عمل ينتمي إلى ما قبل العلم. أما التمييز الثاني وهو أقل قوة، فيتمثل في عزل صيغ عديدة للعمل العلمي الواحد. ويساعد على فهم تلك المسيرة التراكمية الضرورية والكلية، كما يساعد على فهم السمات الخاصة بالعلم. المثال المفضل الذي يستشهد به عادة للتمييز الأول هو مثال جاليلو (Galileé) في الميكانيك. أم التمييز الثاني، فيكفي التذكير بالأمثلة الكثيرة التي تشخصه: لوباج (Lebesgue ) في نظرية التكامل وكلموجروف (Kolmogorov) في نظرية الاحتمالات إلخ... من الواضح أن هذين التمييزيين يرميان على السواء إلى تفسير ظهور الصيغ الجديدة للأعمال العلمية، إلا أن التمييز الأول يبدو «إبداعيا» ويعني بالصيغ الأولية على الإطلاق، في حين أن التمييز الثاني «تطوري» إذ يتناول بالبحث الصيغ الجديدة انطلاقا من الصيغ القديمة. لنتمعن في التمييز الأول إذ هو بالغ الأهمية بالنسبة إلى ما نحن بصدده.

يعرض التمييز بين ما قبل العلمي والعلمي، كما لو كان تمييزا قطعيا يخضع له تاريخ العلوم بكليته. ويفهم هذا التقابل دائما بمعنى تاريخي ومنطقي معا. أي أن ما قبل العلمي يسبق دائما منطقيا وتاريخيا ما هو علمي. وبمقتضى هذا التصور يزعم البعض أن القطيعة الحاسمة بينهما قد تمت جوهريا في القرن السابع عشر، فهذا التقابل من شأنه أن يمكن من تمييز العمل العلمي عن كل عمل آخر يدعي البحث في نفس الموضوع. لا يتأخر المتمعن عن قرب عن إسناد جانب من الصحة إلى هذا التمييز وإن كانت العلاقات بين ما قبل العلمي و العلمي أكثر تنوعا وتعقيدا على الصعيديين المنطقي والتاريخي. لنبدأ بإبعاد الرياضيات من هذا التقابل الإقصائي. السبب في ذلك عرضي إذ لم يبلغنا أي شيء مما هو «قبل رياضي» بل أن العناصر التي هي من هذا القبيل أي التي هي من طبيعة قبل رياضية تنتمي بذاتها إلى الرياضيات: اللامنقسمات ( في القرن السابع عشر)، الاعتبارات المتعلقة بمعنى النهاية في القرن الثامن عشر، النظريات الموضوعية و الذاتية في الاحتمال التي سبقت النظرية الافتراضية، إلخ... أما في الاختصاصات العلمية الأخرى فإن عبارة ما قبل العلمي تبدو مشتملة على الأقل على أربعة اتجاهات معرفية: ينعت بهذه العبارة وعلى السواء كل من فيزياء أرسطو ونظريات القرن الثامن عشر في العقد الاجتماعي والداروينية الاجتماعية للقرن التالي والفيزياء الاجتماعية لكتلاي (Quetelt)، وعلم المناظر لأقليدس (Euclide) ونظرية الحدية لجوفنس (Jevons) أو فلراس (Walras) أو باريتو ( Pareto)، وكذلك النموذج المدفعي (دراسة سقوط قذائف المدافع) لترتاليا (Tartaglia) ونظرية «الإنسان الناخب» (Homo Suffragens) لكوندرسيه (Condorcet)، ونظرية البرنولي (Homo Bernouillien) عند علماء الاقتصاد.

تبين هذه الأمثلة بوضوح تام أن لعبارة «ما قبل العلمي» أحكاما متنوعة إذ ل يمكن ولا يجوز أن يلتبس أمر الحقائق المشار إليها بهده العبارة فتدرج تحت عنوان. فإذا نعتت فيزياء أرسطو ونظرية العقد الاجتماعي بما قبل العلمية فبمعنى أن كلتيهما نظرية تخص تجربة معاشية ـ تجربة حركة النقلة، أو تجربة الاقتراع في مجلس ما ـ ويعتقد أنها نسقية ومنسجمة. أما الداروينية الاجتماعية والفيزياء الاجتماعية فينعتان بقبل العلمية، بمعنى أن كلتيهما تمثل علما ألحق بميدان مغاير لميدانه الأصلي. وتنعت مناظر أقليدس والإسهامات الحدية ( في الاقتصاد) بما قبل العلمية بمعنى المعرفة «الخالصة» الناتجة عن تطبيق مباشر للرياضيات على نظريات تخص التجربة المعاشة: تجربة الإبصار المباشر وتجربة توزيع الخيرات. أخيرا تنعت بما قبل العلمية نماذج ترتاليا في «المدفعية» وكوندرسيه في العلوم الاجتماعية أو فون نيومان (Van Newman) في الاقتصاد باعتبارها تطبيقات غير مباشرة للرياضيات على نظرية من التجربة معاشة، بحيث يكون هذا التطبيق معتمدا على قياس مع اختصاص ثالث ذي ترييض فعلي مزعوم.

يتضح أن المعرف ما قبل العلمية ليست متعددة فحسب، بل أن جلها مرتبط بعلوم أخرى لها موضوعات مغايرة لموضوعاتها. يلزم من ذلك نتيجتان: الأولى هي ضرورة اختلاف معايير الإنجاز العلمي من كل معايير هذه الأعمال القبل العلمية. أم النتيجة الثانية، فتتمثل في تصدع معنى السنة على صعيدي نظام التزامن ونظام التعاقب.

لنبدأ بفحص مسألة المعايير، إذ تمنع هذه المعايير من تناول موضوع العلم لا كموضوع ما قبل العلم فحسب، بل كموضوع أي إنتاج ثقافي آخر. لقد رأينا أن المعرفة ما قبل العلمية ترتبط دوام بتجرية معاشة وبالتالي بتجربة خاصة، ومع ذلك فإنه ينبغي ألا ننسى فهم هذا الارتباط. فالنظرية أو الفلسفة إذا كانت مبلورة فإنها لا تقتصر على التعبير عن مضمون التجربة بطريقة مباشرة ولا تجرية هو بين حكم وحكم آخر، أي بين علاقتين بين المفاهيم، وبهذا الاعتبار يمكن القول إن معطيات التجربة المعاشة تخضع لتوسط حل أدواته عند أصحاب هذه النظريات في التنسيق اللغوي وضبط المفردات المعجمية.

يعني هذا أن معطيات التجربة المعاشة لا تمثل إلا نقطة انطلاق وأن إخضاعها إلى التوسط ضروري لإنشاء النظرية. لنذكر في هذا الصدد أن النظرية الأرسطية في الحركة لا تتكون بتاتا في قضايا ترتبط مباشرة بالتجربة الحسية بحركة النقلة، بل هي تتكون من القضايا التي تخص تطابق «فعل ما هو بالقوة من حيث كذلك» مع القضايا المتعلقة «بالطبائع المحددة» وبالنظام الكسمولوجي، كذلك هو شأن نظرية ح ج. روسو في العقد الاجتماعي. هذه النظرية لا تخص التجربة المعاشة لعملية الاقتراع، بل هي تربط صورا ما للعقد الاجتماعي بتصور للاقتراع من حيث هو تعبير عن الإرادة العامة. بفضل هذا التوسط والتعالي الذي يضمنه بالنسبة إلى المعطيات (أي معطيات التجربة المعاشة)، يمكن إدراج معيار الاتساق، ذلك الاتساق الصارم كما ينشده الفيلسوف وهو اتساق يحيل في آن واحد إلى المتانة المنطقية وإلى إحكام البنية المفهومية.

يجب أن نضيف إلى هذا التوسط إلى هذا البحث عن المتانة المنطقية والإحكام البنيوي معيارا آخر، بمراعاته تستطيع نظرية التجربة المعاشة إحراز تقدم. ويتمثل هذا المعيار في التعديلات المتتالية التي تهدف إلى استنفاد معطيات تجربة ما خاصة واستيعابها في عرض مطرد الاتساق. لنذكر على سبيل المثال التعديلات التي أدخلها القائلون بنظرية الميل أو الاعتماد على المذهب الأرسطي في الحركة. وباختصار، فإن الوساطة والتعالي ومتانة المنطقية والإحكام البنيوي والتطور عن طريق التعديلات المتتالية، كل هذه تمثل معايير المعرفة الناتجة من فينومينولوجيا تهدف احتواء أحداث ما ـ كما هو شأن نظرية أرسطو أو ج. ج. روسو ـ أو المعرفة الناتجة من استيلاء على فينومينولوجيا أعدت في البداية لمجال مغاير لهذا المجال مثل ما هو شأن الفيزياء أو الداروينية الاجتماعيتين.

هناك نموذج أول لتطبيق الرياضيات على نظرية التجربة المعاشة يتمثل في العزم على استبدال مباشر وتام لمعانيها بالعلاقات الرياضية مثل ما يقع في علم المناظر عند أقليدس أو في حدّية فلراس (walras). والرياضيات في هذه الحالة لا تعدو كونها لغة.

أما النموذج الثاني لتطبيق الرياضيات فإنه يخضع عملية الاستبدال لوساطة علم ثالث هو تحت سيطرة للرياضيات فعلية أو مزعومة. فيعمد إلى إجراء قياس بين العلمين كوسيلة لترييض نظرية التجربة ذاتها. وهذه الطريقة هي طريقة النماذج.

المعارف ما قبل العلمية هي إذن متعددة، وهي أيضا متفاوتة القيمة. فمع أنها تنطلق كلها من نظرية ما في التجربة المعاشة، مع كونها تخضع للمعايير نفسها التي سبق عرضها، فإن أهدافها مختلفة وكذلك قدراتها التفسيرية ودرجة رقابتها لتركيبها اللغوي ولتقنيتها. لذلك، لا يمكن أن تكون لهذه المعارف نفس العلاقات مع العلم المقبل. صحيح أن العلم المقبل إنما يتكون في تضاد وبقطيعة معها وهذا ما قيل مرارا. لكن القطيعة لا يكون لها في كل الحالات نفس المدى. فمع ان القطيعة مع نظرية التجربة ومع معاييرها تحدث دائما في العمق، فإنها تسلك سبلا لا تفتأ عن التباعد. هكذا كان شأن علم المناظر مع ابن الهيثم. فإن قطيعته مع نظريات سابقيه تتمثل في فصل شروط انتشار الضوء عن شروط الرؤية، بحيث لا يؤخذ بعين الاعتبار في خصوص الأولى إلى أشياء مادية ـ «أصغر أجزاء الضوء» ـ لا تحمل من الصفات إلا التي تخضع إلى رقابة هندسية وتجريبية تاركة جانبا الكيفيات الحسية بالاستثناء تلك المتعلقة بالطاقة. ومع عمق هذه القطيعة ـ إذ مكنت مع إدراج ضرب جديد من البرهان في علم المناظر وفي العلم الطبيعي ـ فإنها لم تحصل بنفس الحال مع مناظر إقليدس ولا مع نظرية الإبصار الأرسطية. كذلك كان الشأن في الميكانيكا. فجاليليو كان أول من استطاع التمييز داخل نظريات الحركة بين ما هو عائد إلى علم الحركة (Cinématique) وما يعود إلى الديناميكا. بحيث لا يؤخذ بعين الاعتبار إلى العلاقات بين أوضاع الأشياء المادية عبر الزمان. فلم تعج تكتسي إلا صفات يمكن مراقبتها هندسيا وتجريبيا إذ أقصيت كل الصفات الحسية ما عدا صفة مقاومة الحركة. لم يكن حسم هذه القطيعة العميقة مع النظرية الأرسطية كما كان حسمها ـ أي بالعنوان نفسه ـ مع نظرية الميل أو الاعتماد أو مع نظريات حساب أكسفورد وباريس أو مع نماذج القوهي وترتاليا.

لا يفرض تنوع العلاقات مع العلم المقبل على الباحث الإبستيمولوجي أن يميز بين السنن المفهومية للمعارف ما قبل العلمية فحسب، بل يمنحه ما هو أهم من ذلك: وسائل تنظيمها وترتيبها. وبهذه الإمكانية تختص الأعمال ما قبل العلمية وتمتاز من سائر الإنجازات الثقافية الأخرى التي تتاح دراستها للمؤرخ. بعبارة أخرى، فإن العلم المقبل يملي مبدأ تنظيم هو ـ بمعنى مجازي ما ـ تصور لمسافة يساعد على تحديد مواقع المعرف ما قبل العلمية. لكن هذا الامتياز ليس مفروضا على المؤرخ رغما عنه، بل لفائدته. لأن التمييز بين هذه السنن المفهومية يمكنه من التعرف على السنن النصية والتقنية المؤسسة لها والمعطاة غالبا في ركام من المعطيات عديم البنيات, فيكون المؤرخ عنذئذ قادرا على طرح كل الأسئلة التاريخية والاجتماعية اللازمة لفهم تكون تلك السنن وتطورها ولفهم تفاعل مختلف العوامل الاجتماعية والإيديولوجية التي ضمنت استقرار صيغها.

تتم القطيعة مع نظريات التجربة المعاشة ـ ومع معايير تطويرها في آن واحد ـ بفضل تصور لموضوع يحتوي على قانون الإجراء العلمي وللحكم. فلا تكون المعرفة الناتجة (من القطيعة) متضمنة لقوى تراكمية فحسب، بل إنها لا تحقق فعليا التراكم إلى بفضل تعديل مستمر لكيفية فهمها. وتبرز الصيغ الجديدة أثناء عملية التعديل هذا. فإذا فكرنا بمفاهيم جاهزة سلفا، فإنه يمكن القول إن الانفصالات والاتصالات مرسومة بعضها في بعض. وقد تسمى أحيانا هذه القطيعة «ثورات» إشارة إلى الانتقال من نظرية إلى أخرى، من ميكانيك جاليليو ونيوتن إلى النسبية الخاصة، ومن هذه مع الكهردينامية الحرارية المتصلة إلى نظرية الكوانطا (Théorie des quanta). ما يقصد هنا هو ظهور صيغ جديدة للعمل نفسه تعيد في كل مرة تحديد موضوعه، لكن بدون استبداله بموضوع آخر مغاير كمم كان حال المعرفة ما قبل العلمية. تبدو الصيغة القديمة في هذا تتالي المتقطع وكأنها حالة تقريبية من الصيغة الجديدة يمكن التعبير عنها بلغة هذه الأخيرة، بحيث يكون الجديد هو الذي يعطي على وشروط صحة القديم، فلا يلغي ظهور الصيغ الجديدة الصيغ القديمة بل يصححها ويحتويها. حسب هذه الشروط، يتغير جذريا معنى السنة المفهومية، وأحسن دليل على ذلك هو أسلوب موتها: تموت السنن ما قبل العلم اغتيالا. أما السنن العلمية، فإنها تتوفى لنفاد إمكانياتها الذاتية. يبين هذا الفارق ـ الحاسم في نظري ـ أن المسائل والإشكاليات التي تصدرت ميلاد السنن المفهومية هي داخلية في العلم، أو على الأقل إنها مسائل وإشكاليات أمكن صياغتها كاملا في لغة العلم. هكذا فإن كل سنة تقدر على التكلم في لغة السنة الأخرى وكلها قابلة إلى أن تترجم في لغة ورثتها البعدين. فيمكن مثلا ترجمة لغة سنة ابن الهيثم قي علم المناظر إلى لغة السنة النيوتونية، في حين يمتنع ذلك بالنسبة إلى مناظر أقليدس، ويمكن أيضا ان نترجم سنتي ابن الهيثم ونيوتن في لغة سنة فرسنل (Fresnel). ولا تقتصر هذه الترجمة على صعيد نظام التزامن. لنذكر في هذا الصدد مثالين لسنتين متعاصرتين متنافستين وهما السنة التي ابتكرها نيوتن لحساب السرعة اللامتناهية الصغرى وسنة الحساب التفاضلي لليبنز (Leibniz). وعلى الرغم من الجدال الذي دار بينهما، وعلى الرغم من اختلاف أسلوبيهما ـ هندسي من جهة وألغوريتمي من الجهة الأخرى ـ فإن كل واحد منهما يستطيع التكلم بلغة الآخر، وكلاهما قابل للترجمة في لغة التحليل النمطية. إن هذه السمة الأساسية ليست خاصة بالرياضيات فقط، بل تشترك فيها كل المعرف العلمية بما فيها المعارف العلمية بما فيها المعارف ذات المواضيع الفيونومينوتقنية حسب عبارة باشلار (Bachelard).

بفضل ضرب من الاكتمال الإبستيمولوجي المميز للعمل، ينعتق معنى السنة المفهومية «الشيئية» أكثر مما يتحرر في المعرفة القبل علمية، إذ لا يتقلص دور العناصر الخارجية فحسب، بل أكثر من ذلك، فإن هذا الدور يصير خاضعا لرقابة عند تكوين النماذج النظرية وعند البرهنة على صحتها. إن الرقابة اللغوية والتقنية لوقاية من الآلهة متخفية.

لكن هذا الاستقلال لا ينقص شيئا من دور السنة «الشيئية» بل العكس. فإن كانت السنة المفهومية تعرفنا بدقة على المكونات الزمنية والبشرية للسنة «الشيئية»، فإن إقرار هذه الأخيرة قد يتطلب أعمالا من شأنها أن تفسر تكون مجموعة العلماء وطرق تعلمهم واختيارهم للميادين التي يريدون تطويرها وإيقاع هذا التطوير... أي كل العناصر المادية والاجتماعية التي نصبت إطار السنة المفهومية التي من شأنها أن توضح إيقاعاتها وانتشارها، ألخ... ولكنها مع ذلك لا تفسر بتاتا أنظمة المفاهيم وبراهين صحتها. إن اختيار ميادين البحث وتحديد أولويات الاستثمار وتكوين العلماء وتعدد كفاءاتهم وترتيب طبقاتهم، وكذلك الإيديولوجيات الاجتماعية والعلمية على سواء، كل هذه العناصر هي بلا شك من بين العوامل التي قد تفسر ما يحدث من مناظرات بين العلماء عندما لا تكون ظواهر كاملة التحديد، وعندما لا تكون البراهين صارمة الأداء. وقد تفسر تلك العوامل النزاعات التأويلية التي ترافق دائما التحول إلى مرحلة التطبيق والتطور المتفاوت للاختصاصات، إلخ... لكنها لا تخبرنا عن تكون النماذج النظرية الصحيحة إذ تعود هذه المهمة في ما يبدو إلى تاريخ العلوم وعلى تحيديها يتوقف نجاحه في تكوين تخصيص حقيقي.

أما الأعمال المتعلقة بالسنة «الشيئية» التي لا يمكن للمؤرخ الاستغناء عنها، فهي مع ذلك تنتمي إلى اختصاصات أخرى لها معاييرها المغايرة، وهي متراوحة بين علم الآثار وعلم النفس الاجتماعي مرورا بعلم المخطوطات أو علم الاقتصاد وغيرها. عن الفروق بين السنة الشيئية والمفهومية لا تحيل إلى اختلاف المواضيع والمناهج فحسب، بل يتجذر بعمق أكثر طبيعة الضرورة الخاصة بكل واحد منهما. ولعل هذا هو الموقع الذي تنبع منه كل الخلافات والنزاعات، أن ـ باستعمال عبارة جاهزة ـ القطيعة بين «أتباع النظر الداخلي» و «أتباع النظر الخارجي»، أو بين أتباع «التاريخ الاجتماعي» ومؤرخي العلوم. وفعلا فإن السنة الشيئية تعالج ـ بعبارة مختصرة ـ أفعالنا التي من حيث هي مركبات نفسية واجتماعية وتاريخية هي موجودات الآن وهنا، أي ظواهر عرضية، فإن ظواهر مثل تكوين أكاديميات، وكيفية العمل لمركز بحث عام، ونظام العمل في مخبر ما، وأنحاء نقل المعرفة وطبيعة الحامل المادي لنصها، ورصد الموارد والانتماء الاجتماعي لعلوم ما وملامحه النفسية، إلخ... كل هذه الظواهر عرضية قيد يعثر فيها علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد على ضرب من الضرورة، لكن لا توجد أي ضرورة لعلاقاتها بالظواهر العلمية. وبالمقابل فإنه إن أمكن التعرف على هذه الظواهر العلمية فلأنها ضرورية، كما هو الحال في قانون رياضي ما أو قانون فيزيائي. لهذا لا تكون الظاهرة الشيئية صادقة أو كاذبة خلافا للظاهرة المفهومية حيث تكون الضرورة معيارا للصدق. من هنا نفهم أن كل توجه إجمالي هو توجه محكوم عليه مسبقا بالفشل النظري. إن الاتجاه الشائع والساذج بتعميم التاريخ الاجتماعي على السنة المفهومية لهو شبيه كالتوأم بالطموح في تعميم على النفس على المنطق.

فقد أدى هذا الطموح في الماضي القريب إلى «السيكولوجية» (Psychologisme) الشهيرة التي أثارت صواعق فلاسفة مثل كانط (Kant) وهوسرل (Husserl) وكافاياس (Cavaillès) ولن يلبث هذا الاتجاه إلى أن يؤدي بدوره إلى «التاريخية» (L’Historicisme) وهي أوثق سبيل إلى اللامعقولية. زد على ذلك أن أطروحة شمولية التاريخ الاجتماعي هي أطروحة لا تحصن حتى ذاتها إذ إن مآلها أن تصير بدورها من قبيل العرض فتنغلق عنذئذ الدائرة المفرغة. من جهة أخرى فإن إمكانية هذا الشمول تقتضي إخراج قيمة الصدق والتمييز بين الصادق والخاطئ من العلم نفسه. وفي المقابل، يؤدي تعميم التاريخ المفهومي على السنة الشيئية إلى «تاريخ خالص»، أي إلى فلسفة في التاريخ. غير أن مشكلة تاريخ العلوم، وهي المشكلة التي تختزل فيها كل صعوبته، إنما هي هناك: إن إنتاج ظواهر العلم ـ المحددة من حيث هي إنتاج للناس، ومن حيث هي ناتجة عن أعمالهم ـ إن هذا الإنتاج يتجاوز، من حيث هو إثر لهذا الإنتاج، الظروف العرضية لظهوره ويعلو عليها ليتميز منها بما له من خاصيات الضرورة.

بإيجاز وبوضوح، إن المسألة كلها هي مسألة بروز الضروري داخل العرضي. ينكشف عنذئذ مؤرخ العلوم في حقيقته، كما كان دوما يسعى إليها: فلا هو «ناقد للعلوم» على غرار ناقد الفن، ولا هو مؤرخ بمعنى صاحب اختصاص في التاريخ الاجتماعي، ولا هو فيلسوف من بين فلاسفة العلوم، بل هو ـ ببساطة ـ فينومينولوجي البني المفهومية، فينومينولوجي نشأتها وتولداتها داخل المفهومية المتغيرة على الدوام.

سبق أن نشر هذا المقال في مجلة: المستقبل العربي، العدد 384 شباط 2011

وهو مأخوذ من الرابط التالي:

http://www.caus.org.lb/PDF/EmagazineArticles

/mustaqbal_384_rshdi%20rashed%2039-49.pdf

 

 

 

                                                      



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مفهوم تاريخ العلوم .. مقاربة أولية

مفهوم تاريخ العلوم .. مقاربة أولية

يعد مفهوم تاريخ العلوم من المفاهيم الأكثر تداولا في حقل الدراسات الإبستيمولوجية والأكثر إثارة للنقاش بين فلاسفة العلم والإبستيمولوجيين المهتمين بهذا النوع من الدراسة، وذلك منذ أن ظهر واضحا للعيان أهمية العلم وآثاره العميقة على حياة البشر وتطورهم الحضاري بشكل عام.. إذ غالبا ما ترتبط التحولات الحاسمة في التاريخ سواء كانت سياسية أو فكرية ببروز وعي تاريخي يعمد المؤرخون بمقتضاه إلى وضع فترة زمنية محددة في إطار زمني أوسع..

النظر الإبستمولوجي ضرورته ومعناه

النظر الإبستمولوجي ضرورته ومعناه

الابستمولوجيا ـ باللفظ وبالمعنى التقني للكلمة ـ لم تظهر إلا في القرن التاسع عشر. ففي فرنسا، قبل ظهور ملحق القاموس المصور عام 1906 بقليل، كان هذا المفهوم قد بدأ يتكون في موسوعة جان لورون دالمبير (1717-1773) Jean Le Rond D’Alembert، حيث ظهرت بعض المعاني الجديدة. وفي النصف الأول من القرن 19م سيظهر كتاب أوجست كونت A. Comte "دروس في الفلسفة الوضعية"، أعطى فيه نظرية للعلم قائمة على تصنيف جديد للعلوم.